رفع الهمة في الطاعة

رفع الهمة في الطاعة

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي جعل جنة الفردوس لعباده المؤمنين نزلاً، ويسرهم للأعمال الصالحة الموصلة إليها فلم يتخذوا سواها شغلاً، خلقها قبل أن يخلقهم، وحفها بالمكاره، وأخرجهم إلى دار الامتحان ليبلوهم أيّهم أحسن عملاً، وجعل ميعاد دخولها يوم القدوم عليه، وضرب مدة الحياة الفانية دوّنها أجلاً، وأودعها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وجلَّاها لهم حتى عاينوها بعين البصيرة التي هي أنفذ من رؤية البصر. وبشّرهم بها على لسان خير البشر، وكمل لهم البشرى بكونهم خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من لا غنى به طرفة عين ولا أقل من ذلك عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أرسله رحمة للمؤمنين، وقدوة للعالمين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، بعثه للإيمان مناديًا، وإلى دار السلام داعيًا، وللخليقة هاديًا، ولكتابه تاليًا، وفي مرضاته ساعيًا، وبالمعروف آمرًا، وعن المنكر ناهيًا، فسبحان من شرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، فدعا إلى الله وإلى جنته سرًّا وجهارًا، وأذَّن بذلك بين أظهر الأمة ليلاً ونهارًا .. فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وعباده المؤمنون عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا..

أما بعد .. فيا عباد الله، ويا عشاق الجنة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [سورة لقمان: 33].

واعلموا رحمني الله وإياكم، أن الموفّقين من عباد الله لما علموا ما خُلقوا له، وما أُريد بإيجادهم، رفعوا رؤوسهم، فإذا عَلَمُ الجنة قد رفع لهم فشمّروا إليه، وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه، ورأوا من أعظم الغبن بيعَ ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، في أبد لا يزول ولا ينفد بصبابةِ عيشٍ، إنما هو كأضغاث أحلام، في دنيا إن ضحكت قليلاً أبكت كثيرًا، وإن أسرَّت يومًا أحزنت شهورًا، آلامها تزيد على لذاتها، وأحزانها أضعاف مسراتها، أولها مخاوف، وآخرها متالف.

فيا عجبًا ممن آثر الحظ الفاني على الحظ الباقي، وباع جنة عرضها السماوات والأرض، بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات، وباع أبكارًا عربًا أترابًا كأنهن الياقوت والمرجان، بقَذِرَات دنسات سيئات الأخلاق، مسافحات أو متخذات أخدان، وباع أنهارًا من خمر لذة للشاربين، {لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [سورة الصافات: 47]، بشراب خسيس مُذْهِب للعقل، مُفْسِد للدنيا والدين، وباع لذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم، بالتمتع برؤية الوجه القبيح الدميم، وباع سماع خطاب الرحمن، بسماع المعازف والغناء والألحان، وباع الجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والزّبرجد يوم المزيد، بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل شيطان مريد، باع نداء المنادي: “إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا” [رواه مسلم]، بغناء المغنين:

وقف الهوى بي حيث أنت، فليس      لي متأخـر عنه ولا متــقدم

أجــــــد المـــــلامة في هـــواك لذيذة        حبًّا لذكرك فليلمني اللـوم 

وإنما يظهر الغبن الفاحش، والخسارة الفادحة في هذه البيوع يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفدًا، وسيق المجرمون إلى جهنم وردًا، ونادى المنادي على رؤوس الأشهاد: ليعلمن أهل الموقف من أولى بالكرم من بين العباد، فلو توهم المتخلف عن هذه الرفقة ما أعد الله لهم من الإكرام، وادخر لهم من الفضل والإنعام، لعلم أيَّ بضاعة أضاع، وأنه لا خير له في حياته، وهو معدود من سقط المتاع، وعلم أن القوم قد توسطوا ملكًا كبيرًا لا تعتريه الآفات، ولا يلحقه الزوال، وفازوا بالنعيم المقيم في جوار الكبير المتعال، فهم في روضات الجنات يتقلبون، وعلى أسرَّتها تحت الحجال يجلسون، وعلى فرش بطائنها من إستبرق يتكئون، وبالحور العين يتنعمون، ويطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب الذهب وقوارير الفضة، ولهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون.

فوا عجبًا: كيف نام طالبها، وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها، وكيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها، وكيف قرَّ للمشتاق القرار دون معانقة أبكارها، وكيف قرت دونها أعين المشتاقين، وكيف صبرت عنها أنفس الموقنين، وكيف صدفت عنها قلوب أكثر العالمين؟

يا حسرة على العباد … حجبتهم شهواتهم الزائلة الطارئة، عن قصرٍ مشيد، وطلع نضيد، وريحانةٍ تهتز، وقرة عين لا تنقطع..

      فلله أفــــــراح المحبين عندمــــا         يخاطبهم مـــــن فــــــوقهم ويســـلم

     ولله أبصــــــار تـــــــــرى الله جهـــرة        فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم

    فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة      أمن بعدها يسلو المحب المتيــم

أيها الإخوة الأحباب: إن سلعة الله غالية، إن سلعة الله الجنة، فاعجب … من قوم طمعوا في دخولها، وقلوبهم عن الذكر معرضة، بذلوا لدنياهم كل قطرة من حياتهم الفانية، يتسابقون إذا دعاهم المال والبنون والزوجة الحنون، ويتكاسلون إذا ناداهم منادي الله عز وجل، لم يبقِ في حياتهم لدينهم سوى ركعاتٍ لم يعرفوا فيها ما قالوا وما فعلوا، ذهب الخشوع عنها وغادرها هيكلاً لا روح فيه..

تعالوا أيها المؤمنون إلى نماذج فريدة من حياة السلف الصالح؛ لنرى كيف تُشترى الجنة؟ وكيف تعلقت بها قلوب الصالحين حتى كأنهم رأوها، فكيف لو رأوها؟!

هذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، يروى عنها القاسم أنها كانت تصوم الدهر، أي تصوم يومًا وتفطر يومًا، وعنه قال: كنت إذا غدوتُ أبدأُ ببيت عائشة أسلم عليها، فغدوتُ يومًا فإذا هي قائمة تسبح وتقرأ: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [سورة الطور: 27]، وتدعو وتبكي وترددها، فقمت حتى مللتُ القيام، فذهبتُ إلى السوق لحاجتي، ثم رجعتُ فإذا هي قائمة كما هي تصلي وتبكي”.

وعن سعيد بن مرجانه أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من اعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إربٍ منها إربًا منه من النار، حتى إنه يعتق باليد اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج”، فقال علي بن الحسين أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ قال سعيد: نعم، فقال لغلام له أفره غلمانه، ادعُ مطرفًا فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حرّ لوجه الله عز وجل”. أخرجاه في الصحيحين.

وكان عبد الله بن جعفر قد أعطى علي بن الحسين بهذا الغلام الذي أعتقه ألف دينار، ولكنهم فقهوا قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [سورة آل عمران: 92]، وكان عمر بن عبدالعزيز يتمثل بهذه الأبيات:

أيقظان أنت اليــــوم أم أنت نائم          وكيف يُطيق النـوم حيران هائم

فلو كنت يقظــــان الغداة لحرَّقَتْ         مدامعَ عينيك الدموعُ السواجـمُ

بل أصبحت في النوم الطويل وقد         دنتْ إليك أمـور مُفظعــاتٌ عظائم

  نهارك يا مغــرور سهــــــو وغفـلـة            وليلك نـــــوم والــــــــــردى لك لازم

يغـرك ما يفنى وتُشغــل بالمــنى           كما غُرَّ باللذات في النوم حـالم

                              وتُشغل فيما سوف تكـــــره رغبــة          كذلك في الدنيا تعيـــش البـهائم

وصدق الله القائل: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [سورة الحديد: 21] بارك الله لي ولكم في القرآن ونفعني وإياكم بما فيه من الآي والذكر الحكيم، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.. وأشهد أن لا إله إلا أنت سبحانك، وأشهد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبدك ورسولك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين..

أما بعد.. فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن أعظم ما يتقرب المسلم إلى ربه به هو أداء الفرائض، ولعل من أكثر الفرائض التي يفرّط فيه الناس مع عظمها صلاة الفجر، ولاسيما حين يقصر الليل، ويستمر السهر، وهذه بعض الوسائل المعينة على الاستيقاظ لصلاة الفجر، مع يقيني بأن الناس يتفاوتون في الحاجة إلى هذه الوسائل:

أولاً: الصدق مع النفس، والعزيمة الأكيدة، واستشعار أجر الصلاة في الجماعة، واستشعار العقوبة المترتبة على تفويتها.

ثانيًا: التبكير في النوم، إلا أن يكون سهرانًا في طاعة الله، ويعلم أن ذلك لا يؤثر في القيام لصلاة الفجر، والواقع أن بعض الناس اليوم يقطعون لياليهم فيما يغضب الله من أغانٍ ماجنة وأفلام داعرة، وغيبة محرمة، وألعاب تجلب السباب والشتائمَ والفُرقةَ بين الأصدقاء والأرحام.

وليعلم من يسهر ليلاً وسهره يؤثر في انتباهه للصلاة، أنه ارتكب محظورًا محرمًا ولو كان سهره في مباح. وإذا سهر فليغيّر موضعه، أو ينام على الأرض أو على شيء غير مريح، أو بدون مخدة، حتى لا يستغرق في النوم.

ثالثًا: الحرص على الطهارة وقراءة الأذكار قبل النوم.

رابعًا: ذكر الله تعالى عند الاستيقاظ مباشرة والنهوض من الفراش، فإنه عندئذ تحلّ إحدى عقد الشيطان، فإذا توضأ انحلت عقدته الثانية، فإذا صلى أخزى الله شيطانه بانحلال عقدته الأخيرة، وأصبح المصلي طيب النفس نشيطًا قد ألبسَ النور والبهاء والراحة.

خامسًا: الاستعانة بالله تعالى بالدعاء والتبتل والابتهال أن ييسر له هذه العبادة، ثم الاستعانة بالأهل والجيران والهاتف المنبه، والساعات المنبهة، ولا تبخل أن تضع أكثر من ساعة؛ حتى إذا أغلقت الأولى صاحت بك الأخرى بعد دقائق.

سادسًا: نضع رشاش الماء برفق في وجه النائم بعد تنبيهه؛ حتى ينشط؛ كما ورد في الحديث.

سابعًا: عدم الانفراد في النوم، أو النوم في الأماكن البعيدة عن الأهل.

ثامنًا: إضاءة المصابيح فإن لها تأثيرًا في طرد النعاس بنورها.

تاسعًا: عدم إكثار الأكل قبل النوم، فإن من أكل كثيرًا شرب كثيرًا، ومن شرب كثيرًا نام طويلاً، ومن يحرص على صحته فلا يكثرن العَشاء.

عاشرًا: الاستعانة بالقيلولة في النهار، ولتحذر من نومتي العصر والمغرب، فهما مضرتان، وتؤديان إلى السهر في الليل ومن ثَم اضطراب النوم وعدم الاستيقاظ فجرًا.

الحادي عشر: الإخلاص لله تعالى فهو خير دافع للإنسان في عبادته كلها، وهو أمير الأسباب والوسائل المعنية كلها، فإذا وجد الإخلاص الذي يلهب القلب، ويوقظ الوجدان، فهو كفيل بإذن الله بإيقاظ صاحبة لصلاة الفجر مع الجماعة، ولو نام قبل الفجر بدقائق معدودات.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، واحم حوزة الدين ودمر أعدائك وأعداء دينك وعبادك الصالحين اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيرًا فوفقه لذلك وسدد آراءه، واحفظه من كل مكروه.

ومن أراد دينك وعبادك بسوء فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميره، واكف المسلمين شروره، اللهم وفّق أولياء أمورنا لما فيه الخير والتقوى، اللهم انصر بهم دينك، وأعز بهم أمتك، واجعلهم يا ذا الجلال والإكرام سلمًا لأوليائك، حربًا على أعدائك، يحبون من أحبك، ويبغضون من عاداك وهجر أمرك ونهيك، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



اترك تعليقاً