الخطبة الأولى/ صلة الرحم والإصلاح بين الأقارب/ الخضري/ 5/5/1448هـ
الحمد لله الذي امتن على عباده المؤمنين بأعظم دين، وأعظم نبي، وجعل لنا من شريعتنا منهج حياة متكاملة، إذا أخذنا به سعدنا، وإذا حكمنا به اعتززنا، وإذا دافعنا به عنه انتصرنا.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد
فأوصيكم عباد الله بتقوى الله وطاعته، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء].
قَالَ حَبِيبُنَا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ». [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
مَا أَحْوَجَنَا الْيَوْمَ إِلَى كُلِّ دَعْوَةٍ لِلَمِّ الشَّمْلِ، وَجَمْعِ الْقُلُوبِ، فِي زَمَنٍ يُخْشَى فِيهِ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالتَّبَاعُدِ، فَلَا تَكَادُ تَجِدُ عَائِلَةً إِلَّا وَدَبَّتْ فِي أَوْصَالِهَا أَدْوَاءُ الْخِلَافِ وَالتَّقَاطُعِ؛ بِأَسْبَابٍ – مَهْمَا بَلَغَتْ – لَا تَبْلُغُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ مِنَ الْعَوَاقِبِ وَالْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فِي زَمَنِ الِاتِّصَالَاتِ وَالْمُوَاصَلَاتِ الَّتِي قَرَّبَتِ الْبَعِيدَ، وَأَلْغَتِ الْمَسَافَاتِ، وَهَدَمَتِ الْحُدُودَ بَيْنَ الْقَارَّاتِ، صَارَ الْإِنْسَانُ يُخَاطِبُ مَنْ يَشَاءُ، فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ، فِي أَيِّ بُقْعَةٍ شَاءَ، يُخَاطِبُهُ وَجْهًا لِوَجْهٍ صَوْتًا وَصُورَةً، وَكَأَنَّهُ يَجْلِسُ بِجِوَارِهِ، وَمِنْ هُنَا، كُلَّمَا زَادَتْ سُبُلُ الصِّلَةِ بَيْنَ الْأَرْحَامِ، وَتَيَسَّرَتْ مَؤُونَتُهَا؛ تَأَكَّدَتْ فَرِيضَتُهَا، وَتَحَتَّمَ وُجُوبُهَا، وَانْقَطَعَ الْعُذْرُ فِي قَطِيعَتِهَا، فَكَانَ الظَّنُّ بِالنَّاسِ أَدَاءَهَا؛ لِفَرْضِيَّتِهَا وَلِسُهُولَةِ أَدَائِهَا، وَلَكِنَّ وَاقِعَ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، فَكُلَّمَا زَادَتْ وَسَائِلُ الِاتِّصَالِ وَالْوِصَالِ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْأَرْحَامِ وَالْقَرَابَاتِ، حَتَّى لَكَأَنَّهَا تُبْعِدُ الْقَرِيبَ بِقَدْرِ مَا تُقَرِّبُ الْبَعِيدَ.
وَإِذَا عَلِمْتَ – أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ – بِأَنَّ الرَّحِمَ سَتَكُونُ أَمَامَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِتَشْهَدَ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، فَمَاذَا أَنْتَ فَاعِلٌ؟! يَقُولُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: “كُلُّ رَحِمٍ آتِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَامَ صَاحِبِهَا، تَشْهَدُ لَهُ بِصِلَةٍ إِنْ كَانَ وَصَلَهَا، وَعَلَيْهِ بِقَطِيعَةٍ إِنْ كَانَ قَطَعَهَا». [صَحِيحُ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ].
نَسْتَطِيعُ الْيَوْمَ أَنْ نَصِلَ أَرْحَامَنَا أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، بِالدُّعَاءِ لَهُ، وَبِدَعْوَتِهِ إِلَى الْمَعْرُوفِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، أَوْ بِزِيَارَتِهِ فِي بَيْتِهِ أَوْ عَمَلِهِ، فَإِنْ كَانَ قريبه فِي غَيْرِ بَلَدِهِ سَافَرَ لِزِيَارَتِهِ، وَذَلِكَ أرجى ليكون أَعْظَمُ أَجْرًا، وَأَشَدَّ أَثَرًا فِي نَفْسِ رَحِمِهِ، فَيَفْرَحُ بِهِ، وَيَعْلَمُ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَهُ.
وَيُمْكِنُ اسْتِثْمَارُ التِّقْنِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ، بِإِنْشَاءِ مَجْمُوعَاتِ التَّوَاصُلِ، وَمَوْقِعٍ خَاصٍّ بِالْأُسْرَةِ، لِيَكُونَ مَدْخَلًا لِإِقَامَةِ مَجْلِسٍ خَاصٍّ بِالْأُسْرَةِ لِأَفْرَاحِهِمْ وَأَتْرَاحِهِمْ وَمَنَاشِطِ شِيبِهِمْ وَشَبَابِهِمْ، وَرِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَصُنْدُوقًا عَائِلِيًّا مُرَخَّصًا لِيَكُونَ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى كُلِّ مَا يَزِيدُهُمْ تَعَاوُنًا وَتَكَافُلًا وَتَوَاصُلًا.
وَمِنَ الصِّلَةِ الذَّبُّ عَنْ عِرْضِهِ إِنْ ذُكِرَ بِسُوءٍ أَمَامَهُ، وَإِسْكَاتُ الْمُتَكَلِّمِ أَوِ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا حَقًّا وَاجِبًا لِكُلِّ مُسْلِمٍ فَهُوَ فِي الرَّحِمِ أَوْجَبُ وَآكَدُ.
وَمِنَ الصِّلَةِ الْوُقُوفُ مَعَهُ فِي مُصَابِهِ، وَتَخْفِيفُ آلَامِهِ، وَالْفَرَحُ بِخَيْرٍ حَازَهُ، وَتَهْنِئَتُهُ بِهِ، وَعِيَادَتُهُ إِنْ مَرِضَ، وَشُهُودُ جَنَازَتِهِ إِذَا مَاتَ.
وَمِنْ عَظِيمِ الصِّلَةِ الْمُتَاحَةِ لِكُبَرَاءِ الْأُسَرِ، وَرُؤُوسِ الْعَشَائِرِ، وَمَنْ لَهُمْ مَقَامٌ فِي أَقْوَامِهِمْ: إِزَالَةُ أَسْبَابِ الْخُصُومَةِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمِينَ، وَإِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ بَيْنَ الْأَقْرَبِينَ.. فَمِنْ زَكَاةِ الْجَاهِ أَنْ يَبْذُلُوهُ فِي هَذَا الْجَانِبِ، وَرَحِمَ اللَّهُ تَعَالَى امْرَأً قَرَّبَ بَيْنَ رَحِمَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ، وَوَصَلَ بَيْنَ مُتَقَاطِعَيْنِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ؟» قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَإِفْسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ”.
كَمْ أَتَمَنَّى وَأَرْجُو وَأُحِبُّ أَنْ أَرَى فِي كُلِّ عَائِلَةٍ لَجْنَةَ إِصْلَاحٍ، تَتَلَمَّسُ أَحْوَالَ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَالْأَرْحَامِ، وَتَسْعَى إِلَى سَدِّ الثَّغَرَاتِ، وَإِقَالَةِ الْعَثَرَاتِ، وَرَأْبِ الصَّدْعِ، قَبْلَ أَنْ يَتَفَاقَمَ وَيَتَّسِعَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٧٥]. وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المسلمون لعلكم تفلحون
الخطبة الأخرى:
الحمدُ لله على إحسانه، والشّكر له على توفيقه وامتنانِه، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحدَه لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمّدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا مزيدًا.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا بأَنَّ أَبْرَزَ الْأَسْبَابِ فِيمَا يَحْدُثُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ مِنْ خِلَافَاتٍ أُمُورٌ ثَمَانِيَةٌ:
أَوَّلًا: ضَعْفُ الْحِوَارِ: وَلَا شَكَّ بِأَنَّ الْحِوَارَ سَبَبٌ مِحْوَرِيٌّ مَرْكَزِيٌّ لِلْخِلَافِ إِذَا ضَعُفَ، أَوِ انْعَدَمَ، أَوْ سَاءَ، فَبِالْحِوَارِ الْإِيجَابِيِّ يُمْكِنُ أَنْ تَتَقَارَبَ الْآرَاءُ، وَتَنْكَشِفَ الدَّوَافِعُ، فَيَعْذِرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَتُسْتَلَّ السَّخَائِمُ، وَتُمْلَأَ الْقُلُوبُ بِالْحُبِّ وَالْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْوِئَامِ.
ثَانِيًا: التَّدَخُّلُ فِي الشُّؤُونِ الْخَاصَّةِ: حَيْثُ يَعْمِدُ بَعْضُ الْأَقَارِبِ إِلَى التَّدَخُّلِ فِي قَضَايَا لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِهَا، وَيَنْقُلُ أَخْبَارًا تَزْرَعُ الضَّغِينَةَ فِي قُلُوبِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ عَلَى بَعْضٍ، وَرُبَّمَا تَدَخَّلَ لِيُصْلِحَ فَيُفْسِدَ.
ثَالِثًا: الْغَيْرَةُ: وَهِيَ نِتَاجُ الْمُقَارَنَاتِ، وَإِبْرَازُ النِّعَمِ عَلَى وَجْهِ الْإِغَاظَةِ مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ لِبَعْضِهِمُ الْآخَرِ، وَتَصْوِيرُ الْأَسْفَارِ وَالْهَدَايَا وَاسْتِعْرَاضُ الْمُمْتَلَكَاتِ فِي الْمَجَالِسِ، وَالتَّفَاخُرُ بِالْأَوْلَادِ وَمُنْجَزَاتِهِمْ أَمَامَ الْمَكْلُومِينَ فِي ذَرَارِيِّهِمْ، مِمَّا يُشْعِلُ فَتِيلَ الْغَيْرَةِ وَيَدْفَعُ إِلَى مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ، فَبَدَلًا مِنَ الدُّعَاءِ لِهَؤُلَاءِ الْمُنْعَمِينَ بِالْبَرَكَةِ وَالنَّمَاءِ، يَتَفَجَّرُ الْغَضَبُ وَالْحَسَدُ وَالْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ، وَقَدْ يَدْفَعُ بَعْضَ الْأَوْلَادِ وَالزَّوْجَاتِ إِلَى الضَّغْطِ عَلَى الْأَبِ وَالزَّوْجِ لِيُحَقِّقَ لَهُمْ مَا لَا يَسْتَطِيعُ.
رَابِعًا: الضُّغُوطُ النَّفْسِيَّةُ: وَتَنْشَأُ مِنْ تَحَمُّلِ الشَّخْصِيَّةِ الْكَمَالِيَّةِ وَظَائِفَ لَا طَاقَةَ لَهَا بِهَا، بِسَبَبِ تَطَلُّعِهِ إِلَى أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ حُكَمَاءَ، رَاشِدِينَ، وَهُمْ بِالْمِئَاتِ بَلْ بِالْأُلُوفِ؛ مِمَّا يُصِيبُهُ بِخَيْبَةِ أَمَلٍ، إِذْ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَوِّلَهُمْ إِلَى نَمُوذَجٍ وَاحِدٍ يَرْتَضِيهِ هُوَ؟!
خَامِسًا: الْمَشَاكِلُ الْمَادِّيَّةُ: وَهِيَ مِنْ أَشَدِّ مَا يُبْتَلَى بِهِ الْأَقَارِبُ مِنْ مُثِيرَاتٍ لِلْمُشْكِلَاتِ بَيْنَهُمْ، وَخَاصَّةً فِي تَوْزِيعِ الْإِرْثِ، أَوِ الشَّرَاكَةِ فِي مَشَارِيعَ تِجَارِيَّةٍ، أَوِ الِاقْتِرَاضِ وَعَدَمِ الْوَفَاءِ، وَاسْأَلُوا الْمَحَاكِمَ وَمَرَاكِزَ الْإِرْشَادِ الْأُسَرِيِّ عَنْ عُمْقِ هَذِهِ الْمُشْكِلَاتِ الَّتِي تُقَطَّعُ بِهَا الْأَرْحَامُ.
سَادِسًا: الْحَسَدُ: وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَالْمُتَقَارِبِينَ أَوِ الْمُتَمَاثِلِينَ فِي عَمَلٍ مَا، لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ حَتَّى الْعُلَمَاءُ، وَقَدْ نَهَى الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ فَقَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]، وَالْأَنْقِيَاءُ هُمُ الَّذِينَ خَلَّصُوا أَنْفُسَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ الْفَتَّاكِ بِالْحَاسِدِ قَبْلَ الْمَحْسُودِ.
سَابِعًا: ضَعْفُ الثِّقَةِ: ضَعْفُ الثِّقَةِ مَعَ الْأَقَارِبِ هُوَ مُشْكِلَةٌ نَفْسِيَّةٌ قَدْ تَنْشَأُ مِنْ عَوَامِلَ مُخْتَلِفَةٍ، مِثْلَ: تَجَارِبَ سَلْبِيَّةٍ فِي الْمَاضِي مَعَ الْأَقَارِبِ، مِثْلَ الْخِيَانَةِ أَوِ الِاسْتِغْلَالِ أَوِ الْإِهْمَالِ أَوِ الْإِسَاءَةِ. وَالتَّرْبِيَةِ السَّيِّئَةِ الَّتِي تُعَزِّزُ الشُّكُوكَ فِي الْأَقَارِبِ، وَتُحَذِّرُ مِنْهُمْ بِسَبَبِ مَوَاقِفَ تَارِيخِيَّةٍ قَدِيمَةٍ.
ثَامِنًا: عَدَمُ الْعَدْلِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ: وَالْعَدْلُ مِنْ حُقُوقِ الْأَوْلَادِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ، وَمِنْ أَهَمِّ عَوَامِلِ التَّرْبِيَةِ الصَّحِيحَةِ. وَقَدْ حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى الْعَدْلِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي الْمُعَامَلَةِ وَالْعَطْفِ وَالْعَطِيَّةِ، وَنَهَى عَنِ التَّفْضِيلِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، وَقَالَ أَيْضًا: «أَتُحِبُّ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟”
فَالْعَدْلُ بَيْنَ الْأَوْلَادِ يَزْرَعُ فِي قُلُوبِهِمُ الْمَحَبَّةَ وَالتَّآخِيَ، وَيَجْعَلُهُمْ بَارِّينَ بِوَالِدَيْهِمْ. وَالتَّفْضِيلُ بَيْنَ الْأَوْلَادِ يُوَلِّدُ فِي نُفُوسِهِمُ الْحِقْدَ وَالْكَرَاهِيَةَ، وَيَجْعَلُهُمْ عَاقِّينَ لِوَالِدَيْهِمْ.
وَلَا شَكَّ بِأَنَّ لِهَذِهِ الْخِلَافَاتِ آثَارًا سَيِّئَةً عَلَى الْأَفْرَادِ وَالْأُسَرِ الَّتِي تَتَشَكَّلُ مِنْهَا الْعَائِلَةُ الْوَاحِدَةُ:
وَأَبْرَزُ تِلْكَ الْآثَارِ: التَّوَتُّرُ الْعَائِلِيُّ، يَتْبَعُهُ سَيْلٌ مِنَ الِاتِّهَامَاتِ، وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَالِاضْطِرَابَاتِ النَّفْسِيَّةِ، وَالْأَمْرَاضِ الْجَسَدِيَّةِ الَّتِي تَتَسَبَّبُ عَنْهَا.
وَالظَّنُّ السَّيِّئُ الَّذِي يُفَسِّرُ كُلَّ تَصَرُّفٍ بِنَاءً عَلَى أَسْوَأِ التَّوَقُّعَاتِ، وَسُوءُ التَّصَرُّفِ حَيْثُ تَغِيبُ الْحِكْمَةُ وَالِاسْتِشَارَةُ، وَتَحْضُرُ النُّفُوسُ الشَّحِيحَةُ، وَالتَّعَجُّلُ فِي الْأَحْكَامِ، وَالْمُقْتَرَحَاتُ الْمُنْفَعِلَةُ، وَقَرَارَاتُ الْهَجْرِ الْمُحَرَّمَةُ، وَانْعِدَامُ الِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ، وَالنِّزَاعُ الَّذِي قَدْ يَطْرُقُ أَبْوَابَ الْمَحَاكِمِ، وفقدانُ الطُّمَأْنِينَةِ وَالشعورُ بالْقَلَقُ، وفقدانُ الْإِحْسَاسِ بِالْأَمَانِ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا آثَارُ سِوَى قَطِيعَةِ الْأَرْحَامِ لَكَفَى، وَرَبِّي، أَلَيْسَتِ الْحَالِقَةَ؟
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، عز جارك، وتقدست أسماؤك، لا يرد أمرك، ولا يهزم جندك، اكفنا شر الأشرار، وكيد الفجار، وشر طوارق الليل والنهار، اللهم رد عنا وعن بلادنا وعن مقدساتنا وعن قادتنا وعن بلاد المسلمين كيد الكائدين من الحوثيين والصهاينة ومن ساندهم، اللهم اكفنا أذاهم بما شئت، اللهم احفظ علينا أمننا ورخاءنا وخيراتك علينا، اللهم إنا نتضرع إليك أن تحرسنا من كل شر ومكروه، ونسألك أن تقر أعيننا بنصر أبطالنا الموحدين في كل ثغور بلادنا، اللهم انصر أبطالنا بنصرك، وأيدهم بتأييدك، وامنحهم قوة من قوتك، وعلمًا من علمك، ودافع عنهم فإنك تدافع عن الذي آمنوا. اللهم عليك بالحوثيين ومن ساندهم، اللهم رد كيدهم في نحورهم، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية.
اللهم انصر عبادك المستضعفين المؤمنين في فلسطين، واكفهم شر أعدائك وأعدائهم، واجبر مصابهم، واشف مرضاهم، وتقبل شهداءهم، وكن عونًا لهم على طرد اليهود المعتدين.
اللهم أيد بالحق إمامنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، اللهم أيدهم بالحق، وأيد الحق بهم، انصر بهم دينك وكتابك وسنة محمد e وعبادك الصالحين، واجعلهم ذخرًا للشعب والأمة جمعاء، يا رب العالمين. اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، واقض ديوننا، وييسر أمورنا، واشرح صدورنا، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولأزواجنا ولأحبابنا ولذرياتنا ولجميع أحبابنا، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.