عذاب القبر ونعيمه

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبدُ ورسوله صلى الله عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأبرار

عباد الله أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله وطاعته؛ استجابة لأمر الله جل وعلا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [آل عمران: 102].

أما بعد فيا معاشر الإخوة المؤمنين:

نولد في هذه الحياة الدنيا ويفرح بنا من حولنا وهم يعلمون بأننا راحلون عنها لا محالة، وهذا الشعور الحي ينبغي أن يلازمنا على الدوام، دون أن يحدّ من نشاطنا، أو يبغّضنا للحياة، فإن الحياة هي الظرف الذي نستودعه أعمالنا التي نرجو أن نفوز بها وننجو يوم نلقى ربنا عز وجل، قال الله تعالى: { ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 72].

وأول مراحل الآخرة حياة البرزخ، فحين يموت العبد تقوم قيامته، وبمجرد أن يوسد القبر تبدأ مراحل محاسبته، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوْ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ” [صحيح البخاري 1338].

ولذلك كان السؤال المرجو إجابتَه: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، أكثر من سؤال الله تعالى أن يطيل الآجال لمن نحب، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَبِأَبِي أَبِى سُفْيَانَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّكِ سَأَلْتِ اللَّهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ؛ لاَ يُعَجِّلُ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ حِلِّهِ، وَلاَ يُؤَخِّرُ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ حِلِّهِ، وَلَوْ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ لَكَانَ خَيْرًا لَكِ» [صحيح مسلم 2663].

وهو ما شهدت به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنْ الْمَغْرَمِ؟! فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ” [صحيح البخاري 832].

وإنه ليُخشى على من يعلم بهذه الأدعية ثم لا يدعو بها أنهم صُرفوا عنه ليعذبوا – اللهم غفرانك – ولله في خلقه شؤون، سبحانه جل جلال الله.

وقد خاف السلف من عذاب القبر، وهول المطلع، فراحوا يبتهلون إلى الله تعالى في الخلوات والجلوات وحين الممات أن يعيذهم من عذاب القبر.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخلت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين طُعن فقلت: أبشر بالجنة يا أمير المؤمنين، أسلمتَ حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله حين خذله الناس، وقُبض رسول الله وهو عنك راضٍ، ولم يختلف في خلافتك اثنان، وقُتلت شهيدًا. فقال: أعد عليَّ: فأعدت عليه، فقال: والله الذي لا إله غيره، لو أن لي ما على الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع .[مستدرك الحاكم 4515].

وكان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟! فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشد منه” قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما رأيت منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه” [سنن الترمذي 2308 وحسنه الألباني].

وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: إن أحدكم ليجلس في قبره إجلاساً فيقال له: ما أنت؟ فإن كان مؤمنًا قال: أنا عبد الله حيًّا وميتًا، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيفسح له في قبره ما شاء الله، فيرى مكانه من الجنة، وينزل عليه كسوة يلبسها من الجنة.

وأما الكافر فيقال له: ما أنت؟ فيقول: لا أدري. فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، أو تتماس أضلاعه، ويرسل عليه حيات من جوانب قبره ينهشنه ويأكلنه، فإذا جزع فصاح، قُمِعَ بمقمع من نار من حديد. [سنن أبي داود 4753 وصححه الألباني].

وعن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه قال: أعمقوا لي قبري، تخرج نفس المؤمن وهي أطيب ريحًا من المسك، قال: فتصعد بها الملائكة الذين يتوفونها، فتتلقاهم الملائكة دون السماء، فيقولون: من هذا معكم؟ فيقولون: فلان ويذكرونه بأحسن عمله، فيقولون: حياكم الله وحيا من معكم. قال: فتفتح له أبواب السماء، فيشرق وجهه، قال: فيأتي الرب تعالى ووجهه برهان مثل الشمس. قال: وأما الآخر فتخرج نفسه وهي أنتن من الجيفة، فتصعد بها الملائكة الذين يتوفونها، فتتلقاهم ملائكة دون السماء، فيقولون: من هذا معكم؟ فيقولون: فلان ويذكرونه بأسوأ عمله. قال: فيقولون: ردوه ردوه، فما ظلمه الله شيئًا. فقرأ أبو موسى رضي الله عنه: {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} ] الأعراف: 39 – 40[، والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (12061).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآي والذكر الحكيم، أقول هذا القول وأستغفر الله الجليل الكريم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الأخرى:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على عظيم فضله وامتنانه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 أما بعد: فاتقوا الله عباد الله.

لقد أيقن سلفنا الصالح بأن هذه الدنيا زائلة، ولذلك جعلوا همهم في الآخرة، وعمروا الدنيا بما يصلح حالهم يوم يلقون بارئهم عز وجل.

جاء رجل إلى أبي الدرداء رضي الله عنه وهو مريض فقال: يا أبا الدرداء، إنك قد أصبحت على جناح فراق الدنيا، فمرني بأمر ينفعني الله به، وأذكرك به. فقال: إنك بين أمة معافاة، فأقم الصلاة، وأدّ زكاة مالك إن كان لك، وصم رمضان، واجتنب الفواحش، ثم أبشر. فأعاد الرجل على أبي الدرداء رضي الله عنه، فقال أبو الدرداء: اجلس ثم اعقل ما أقول لك، أين أنت من يوم ليس لك من الأرض إلا عرض ذراعين في طول أربعة أذرع، أقبل بك أهلك – الذين كانوا لا يحبون فراقك – وجلساؤك وإخوانك، فأتقنوا عليك البنيان، ثم أكثروا عليك التراب، ثم تركوك، ثم جاءك ملكان أسودان أزرقان جعدان، أسماؤهما: منكر ونكير، فأجلساك ثم سألاك: ما أنت؟ أم: على ماذا كنت؟ أم: ماذا تقول في هذا الرجل؟ فإن قلت: والله ما أدري، سمعت الناس قالوا قولاً فقلت قول الناس، فقد والله رديت وهويت. فإن قلت: محمد رسول الله أنزل عليه كتابه، فآمنت به، وبما جاء معه، فقد والله نجوت وهديت، ولن تستطيع ذلك إلا بتثبيت من الله تعالى مع ما ترى من الشدة والتخويف. [والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (3/ 254)].

وكان من دعاء أبي هريرة رضي الله عنه حين يصلي على أحد: اللهم إني أعيذه من عذاب القبر. بل إن أم خارجة مولاة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم أنها حضرت امرأة تموت، فجعلت تقول لها: إنك تُسألين عن ربك وعن النبي، فجعلت تثبتها.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 27]، قال: إن المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة يسلمون عليه ويبشرونه بالجنة، فإذا مات مشوا مع جنازته، ثم صلوا عليه مع الناس، فإذا دفن أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. ويقال له: من رسولك؟ فيقول محمد. فيقال له: ما شهادتك؟ فيقول: أشهد أن لا إله الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيوسع له قبره مدّ بصره.

وأما الكافر فتنزل الملائكة فيبسطون أيديهم –والبسط هو الضرب– يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت، فإذا دخل قبره أُقعد، فقيل له: من ربك؟ فلم يرجع إليهم شيئًا، وأنساه الله ذكر ذلك، وإذا قيل له: من رسولك الذي بُعث إليك؟ لم يهتدِ له، ولم يرجع إليهم شيئًا، يقول الله تعالى: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ}.

ولذل قال عطاء والحسن البصري في قوله تعالى لنبيه: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}[الإسراء: 74 – 75 [. قال: ضعف الممات. قال: هو عذاب القبر.

نعوذ بالله من عذاب القبر ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.

اللهم يا عزيز يا حكيم أعز الإسلام والمسلمين وانصر إخواننا المجاهدين وارفع البأس والظلم والجوع عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لإصلاح رعاياهم، اللهم أيدهم بالحق وأيد الحق بهم، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك حربًا على أعدائك. واجعل بلادنا آمنة مطمئنة وسائر بلاد المسلمين.

اللهم فك أسر المأسورين، واقض الدين عن المدينين، واهد ضال المسلمين، اللهم بارك لنا فيما أعطيتنا، وأغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، وأغننا برحمتك يا حي يا قيوم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين واجعلنا من أهل جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطاهرين، وصحبه أجمعين، وعنا معهم برحمتك وفضلك ومنّك يا أكرم الأكرمين.

 

 



اترك تعليقاً