فضل إفشاء السلام

فضل إفشاء السلام

الخطبة الأولى:

الحمد لله الملك القدوس السلام، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له شرع لنا دين السلام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله داعية المحبة والسلام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله ممتثلين أمر خالقكم عز وجل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 1.2].

عباد الله .. نعم الله على عباده المؤمنين أجل من أن تُحصى، وهل يستطيع أحد أن يحصي على الكريم جوده، وهو الذي تقوم السماوات بأمره، وتسير الملائكة في فجاج الأكوان برزقه؟ رباه تعجز ألسنتنا عن شكرك، ويقف بياننا مبهورًا أمام عظيم كرمك، فارزقنا شكرك في لفتات الأعين، وفي خطرات القلب، وفي حركة الجوارح، وألهمنا حب المزيد من شكرك .. لنحظى بالمزيد من رضاك وبرك. ألست القائل : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم : 7 ].

وإذا عدت النعم فإن أجلها نعمة الإسلام، هذا الدين الذي أعزنا الله به حين رفع أقدارنا من السجود لغيره إلى أن شرفنا بالخضوع له :

ومما زادني شـرفا وتـيـها          وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك : يا عبادي       وأن صيرت أحمد لي نبـيا

وزاد الله هذه النعمة نعمة أخرى حين قال المولى جل وعلا : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]، وختام الآية الكريمة يدل دلالة واضحة أن الألفة الأخوية للمؤمنين هي مدار الرحمة التي تحف بهم، فإذا اخترقت تلك الألفة بغيبة أو نميمة أو إفساد أيًّا كان نوعه فيجب على بقية المؤمنين السعي للإصلاح حتى تعود تلك الرحمة .. وإلا فإن الشيطان يتسلط على المؤمنين ويفرّق جمعهم، ويتفرد بهم بكل فرد منهم، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

والوسائل الكفيلة بالحفاظ على الرابطة الأخوية بين المؤمنين كثيرة جدًّا، من أجلّها تحية الإسلام الخالدة ( السلام ) . قال صلى الله عليه وسلم : ((يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)) [رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح]. ولقيمة السلام العظمى في جمع الكلمة وتصفية القلوب حسدتنا يهود عليه، فقد ثبت في الأدب المفرد للإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين)) .

بالسلام تُجلب المودة، وتورق المحبة، وتظلل النفوس بظلال الأمان الوارفة، بل (السلام) يقوي الإيمان، ويُدخل الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم )) [رواه مسلم] .

والإفشاء يعني الكثرة، ويعني أن يسمع أحدنا الآخر سلامه جهرة، ويعني أن يصبح السلام خُلقًا اجتماعيًّا متداولاً بين الناس، بين المتعارفين، وبين غير المتعارفين، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : (( إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام )) رواه أبو داود بإسناد جيد ورواه الترمذي بنحوه، وقال حديث حسن.

وهنا يئن ( السلام ) ؛ حتى نكاد نسمع أنينه، وهو محبوس في الأفواه وراء كومة من الأعراف الاجتماعية الوافدة من خارج مجتمعنا الأليف المألوف؛ الذي عرف بإفشائه للسلام حتى ضرب به المثل، يقبل أحدنا على جمع من الناس في مكان عام فلا يسلم بحجة عدم معرفتهم، أو خوفًا من لفت أنظارهم، بل يقترب المسلم من أخيه فلا يسلمان ولا يتصافحان إلا إذا عرف أحدهما الآخر. يجلس الراكب في القطار أو الحافلة أو الطائرة إلى جوار أخيه المسلم دقائق أو ساعات فلا يسلم عليه، وإن فعل اكتفى بتحايا عصرية مثل صباح الخير، أو مساك الله بالخير دون أن يورد تحية الإسلام المشروعة، (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، حتى تباعدت القلوب، وكثرت الجفوة، وزادت الفرقة. في الحديث المتفق عليه أن رجلاً سأل رسول الله   : أي الإسلام خير؟ قال: (( تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف )) . وكان ابن عمر رضي الله عنهما يغدو إلى السوق ويقول: ((إنما نغدو من أجل السلام، فنسلم على من لقيناه)).

وإذا كان المسلَّم عليه كافرًا فتورد عليه التحايا العامة من تصبيح أو تمسية بالعربية أو بلغته دون تحية الإسلام؛ تأليفًا لقلبه، فإن عدم تحيته ألبتة يجلب العداوة، ويورث البغضاء. ولكن لا نبدؤه بسلام أهل الإسلام لما ورد عن نبينا   ((لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام )) رواه مسلم . وقال   : (( إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم )) متفق عليه .

كما أنه يشرع السلام على عموم المسلمين حتى الفساق منهم المجاهرين بفسقهم، ولا يجوز أن يهجروا إلا إذا كان في هجرهم مصلحة بحيث يكون في ذلك موعظة لهم؛ حتى يتركوا ما هم عليه من المعاصي؛ لأن الهجر كالدواء إن أفاد وإلا فلا فائدة من الدوام عليه بل يضر بلا شك، ولهذا حرم النبي صلى الله عليه وسلم أن يهجر المسلم أخاه فقال: (( لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)) متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم : (( تُعرض الأعمال على الله في كل يوم اثنين وخميس فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول اتركوا هذين حتى يصطلحا )) رواه أبو داود وصححه الألباني.

السلام بين الناس سنة بشرية منذ عهد آدم – عليه السلام – إلى قيام الساعة، وهي تحية أهل الجنة {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}[يونس:10] وهي من سنن الأنبياء، وطبع الأتقياء، وديدن الأصفياء .

السلام دليل على تواضع المسلم ومحبته لغيره، ينبئ عن نزاهة القلب من الحسد والحقد والبغض والكبر والاحتقار، وهو من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، ومن أسباب حصول التعارف والألفة وزيادة المودة والمحبة، وهو من أسباب تحصيل الحسنات ودخول الجنات، وفي إشاعته إحياء لسنة المصطفى . قال عليه الصلاة والسلام: ((خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز )) [رواه مسلم].

والواجب على من ألقي عليه السلام أن يرد امتثالاً لأمر الرسول ، فعن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: (( إياكم والجلوس في الطرقات )) فقالوا: يا رسول الله: ما لنا من مجالسنا بدّ نتحدث فيها، فقال: (( إذا أبيتم إلا المجلس، فأعطوا الطريق حقه )) قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: (( غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )) متفق عليه.

قال الإمام النووي رحمه الله: (( واعلم أن ابتداء السلام سُنة ورده واجب، وإن كان المُسلِّم جماعة فهو سنة كفاية في حقهم، وإذا سلم بعضهم حصلت سنة السلام في حق جميعهم، فإن كان المسلَّم عليه واحدًا تعين عليه الرد، وإن كانوا جماعة كان الرد فرضَ كفاية في حقهم، فإن رد واحد منهم سقط الحرج عن الباقين، والأفضل أن يبتدئ الجميع بالسلام وأن يرد الجميع )) .

قال النووي: ( وأفضل السلام أن يقول: ( السلام عليكم ) فإن كان المُسلم عليه واحداً فأقلُّه (السلام عليك) والأفضل أن يقول: (السلام عليكم) ليتناوله وملكيه، وأكملُ منه أن يزيد (ورحمة الله) وأيضاً ( وبركاته )، ولو قال: (سلام عليكم) أجزأه

ويقول رحمه الله (( وأما صفة الرد، فالأفضل والأكمل أن يقول: ( وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ) فيأتي بالواو ( التي تسبق عليكم ) فلو حذفها جاز وكان تاركاً للأفضل، ولو اقتصر على (وعليكم السلام ) أو ( عليكم السلام ) أجزأه، ولو اقتصر على ( عليكم ) لم يجزئه بلا خلاف، ولو قال: ( وعليكم ) بالواو، ففي إجزائه وجهان لأصحابنا [ يقصد الشافعية ] .

والأدب القرآني أن تكون تحية الرد أفضل من تحية الابتداء، يقول الله جل في علاه: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء: 86]، يقول ابن كثير رحمه الله : (( إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة )) .

ومن هنا فالسلام ثلاث مراتب: أعلاها وأكملها وأفضلها: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) ثم دون ذلك ( السلام عليكم ورحمة الله ) وأقله ( السلام عليكم ). والمسلم إما أن يأخذ أجراً كاملاً، وإما أن يأخذ دون ذلك، على حسب السلام، ولذلك روى عمران بن حصين رضي الله عنهما قال : جاء رجل إلى النبي   فقال : ( السلام عليكم )، فرد عليه ثم جلس، فقال النبي : (( عشر )) ثم جاء آخر فقال: ( السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه فجلس فقال : (( عشرون ))، ثم جاء آخر فقال: ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) فرد عليه فجلس فقال : (( ثلاثون )) [ رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ]، أي عشر وعشرون وثلاثون حسنة.

السلام محبة وأجر، ونعمة وشكر، وأمن وأمان، وإفشاؤه راحة للقلب مع القلب، وطاعة للملك الذي سمى نفسه بالسلام سبحانه وتعالى جل في علاه .

عباد الله توبوا إلى الله واستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الأخرى:

الحمد لله الذي شرع لعباده من يشد به أواصرهم، ويقوي به علائقهم، ويوحد به قلوبهم، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن السنة إذا تلاقى اثنان في طريق، أن يسلم الراكب على المترجل، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، قال : (( يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير )) [رواه مسلم].

وإذا حادث المسلم أخاه بالهاتف ونحوه فينبغي للمسلم أن يبدأه بالسلام، وليس بأية تحية أخرى، فلا يكتفي بصباح الخير” أو “مرحبًا” أو ” ألو”. وإنما يبدأ بالسلام ثم يرحب بعد ذلك بما شاء من الترحيب الجائز.

كما يستحب إذا دخل المسلم بيته أن يسلم { تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً}[النور: 61] كما قال الله تعالى في كتابه. فإن البركة تنزل بالسلام قال   لأنس (( يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك )) [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ] وإن لم يكن فيه أحد فقل: (( السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين )) رواه مسلم.

وينبغي أن يكون التسليم بصوت مسموع لا يزعج المستمع ولا يوقظ النائم، عن المقداد قال: ((كنا نرفع للنبي   نصيبه من اللبن، فيجيء من الليل، فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً ويسمع اليقظان )) [رواه مسلم] .

ويستحب إعادة السلام وتكراره للرجل إذا فارق أخاه ولو لفترة وجيزة، فعن أبي هريرة عن النبي قال : (( إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه )) [ رواه أبو داود ] .

وأجاز كثير من العلماء سلام الرجل على المرأة، والمرأة على الرجل إذا أمنت الفتنة، فتسلم المرأة على محارمها، ويجب أن ترد عليهم السلام، كما يسلم الرجل على محارمه ويجب أن يرد عليهم السلام، وإن كانت المرأة أجنبية فلا بأس من إلقاء السلام عليها، وإن سلمت يرد عليها السلام، إذا أمنت الفتنة، وبدون مصافحة ولا ريبة، ولا خضوع بالقول.

ومما شاع بين الناس أن يكون السلام إيماءة وإشارة باليد. فإن كان المسلم بعيداً ونطق مع الإشارة بالسلام فلا بأس ما دام لا يسمعك؛ لأن الإشارة حينئذ دليل السلام وليست نائبة عنه، وكذلك يقال في الرد. ولكن لا تكفي الإشارة وحدها عن السلام.

ويستحب للجالس أن يسلم إذا قام من المجلس لقوله : (( إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة )) [ رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن ].

وتستحب المصافحة عند السلام، وبسط اليد لأخيك المسلم قال : (( ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا)) [رواه أبو داود والترمذي، ورواه الإمام أحمد وحسنه الألباني]. وقال صلى الله عليه وسلم : (( إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر )) [ صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة].

وعن أنس بن مالك قال: (( كان النبي   إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل الذي ينزع.. ) [رواه الترمذيٍ] . ولك أن تتأمل كم في المصافحة من أثر نفسي، وارتياح قلبي، وتلاق بين روحين مؤمنتين، زاد التماس الجسدي من لحمتهما، وهو ما أثبته العلم الحديث بالدليل الحسي من قيمة اللمس في المعاني العاطفية والإحساس بالسعادة.

وليس ذلك فحسب، بل إن الإسلام حثَّ على إشاعة البشاشة وطلاقة الوجه والابتسامة عند السلام بين المسلمين، فقال : (( وتبسمك في وجه أخيك صدقة ))، وقال : (( لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق )) [رواه مسلم] .

ويستحب السلام على الصبيان كما ورد في الصحيحين أن رسول الله   كان يفعل ذلك، وفي هذا تبسط لهم، وزرع للثقة في نفوسهم، وغرس لتعاليم الإسلام في قلوبهم.

فأحيوا – عباد الله – هذه السنة العظيمة بين المسلمين لتتقارب القلوب وتتآلف الأرواح ويحصل الأجر والمثوبة.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر عبادك المجاهدين، وأيدهم على عدوهم يا رب العالمين، اللهم أصلح ولاة أمورنا وولاة أمور المسلمين، اللهم اجعلهم شاكرين لنعمك قائمين بطاعتك مخلصين لك متبعين لرسولك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم هيئ لولاة أمورنا بطانة صالحة تدلهم على الخير وترغبهم فيه، وتحذرهم من الشر وتزهدهم فيه، يا رب العالمين . ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



اترك تعليقاً