مكفّرات الذنوب

 

الخطبة الأولى:

الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شان، جلَّ عن الأشباه والأنداد، وتنزّه عن الصاحبة والأولاد، ونفّذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، أحاط بكل شيء علماً، وقهر كل مخلوق عزة وحكماً، ووسّع كل شيء رحمة وعلماً، {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} [طه:110]، وأشهد أن لا إله إلا الله التواب الرحيم، وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها تكفير السيئات، والرفعة في الدرجات، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[المائدة: 35]، {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}[البقرة: 281].

أيها الأحبة في الله اقتضت حكمة الله تعالى أن يخلق الإنسان ليعبده، وخلق في نفسه ميلاً إلى حب الخير لنفسه، وأرشده إلى الطاعات التي تقرّبه منه؛ ليرضى عنه، ويُدْخِله جنّته، وحذّره من الذنوب والمعاصي صغيرها وكبيرها، وامتحنه بالشهوات والفتن والابتلاءات، ولكن الإنسان ربما نسي فأذنب، وربما ضعُف فعصى، وربما طغى فتأثم عامدًا متجبرًا، فخسر أو ندم، فراح يبحث عن طريق العودة.

فإذا به يلقى ربًّا كريمًا جوادًا، توابًا رحيمًا، فتح له أبواب فضله ومغفرته ليعود منها إليه، ويفر من ذنوبه إلى مولاه الذي ((… يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)) كما روى ذلك مسلم في صحيحه ح[2759].

 يا حبـيبي أنا عبد         يا حبيبي أنت ربي

أنت في خفق جناني             وكياني ملء قلبي

فإذا جاوزت حدي        أفلا يشفع حـبي

الخالق إنما خلق عباده لجنته، حتى جعل لكل إنسان مقعدًا في الجنة يتبوؤه إلا من أبى، (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)) [رواه البخاري ح6851]. فالإنسان بين حبّ الله تعالى له الخير، وبين ضعفه وميله إلى الانصياع إلى الشيطان مرة؛ {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 268]، وبين نوازع الشهوة وجلاس الفساد، ورفاق السوء مرة أخرى، {وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا} [النساء: 27].

الله يريد أن يتوب علينا، فماذا صنعنا لنصل إلى توبة الله علينا؟

في هذا الزمن الذي تلاحقك فيه الذنوب في كل الدروب، على الشاشات، وفي الصحف والمجلات، وعلى السكك والطرقات، وفي جلسات الغيبة والنميمة واللغو، واللهو الباطل، تصل إليك إن لم تصل إليها، وتغزوك وأنت تهرب منها، والنفس تشتهي فتضعف فتقع، والجليل يعطي ويتكرم ويمهل ثم يُعصَى ثم يتوب، ثم يُعصَى ثم يتوب، ثم يُعصَى فيتوب، فيظل يتوب، ويتوب، وكلما تاب العبد من ذنبه توبة نصوحًا صادقة!

يا رب يا رحمن يا رحيم، يا جواد يا كريم رحماك بعبادك .. اعصمنا من الزلل، واكتبنا في أهل الحلل، واجعلنا لك طائعين، لك عابدين، لك شاكرين، واغفر لنا كل ذنب وخطيئة.

أحبتي في الله .. ما تظنون بربكم غير الرحمة والغفران؟ ((قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي؛ فإذا امرأة من السبي قد تحلَّبَ ثديُها تسقي، إذا وجدت صبيًّا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال: للهُ أرحم بعباده من هذه بولدها)). [رواه البخاري 5653].

ومن رحمة الله تعالى بنا -معشر المسلمين- أن جعل لنا مخرجًا من كل فتنة، وفتح لنا بمكفرات الذنوب أبواب الرحمة، حتى يخفف عنا الحساب يوم نلقاه، فنكون من أهل جنته ورضاه.

فـ((من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه)) [رواه مسلم]. ومن تاب قبل أن تغرغر الروح تاب الله عليه، و((من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره)) [رواه مسلم]، و(( من سبّح دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد ثلاثاً وثلاثين، وكبر ثلاثاً وثلاثين فتلك تسعة وتسعون، ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غُفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) [رواه مسلم]، و((يُغفر الله للشهيد كل شيء، إلا الدَّيْن)) [رواه مسلم]، و(( من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حُطت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر)) [رواه البخاري ومسلم]، و(( ما من عبد يذنب ذنباً فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين ، ثم يستغفر الله إلا غفر له)) [رواه الترمذي]، و(( من جلس جلسة فكثر لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: ((سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك)) [رواه داود والترمذي]، و((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)) [رواه البخاري ومسلم]، و((من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)) [رواه البخاري ومسلم]، و((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تُغْش الكبائر)) [رواه البخاري ومسلم]، و((من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دينا غفر له ذنبه))، [رواه مسلم 386]. و((الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)) [رواه الترمذي]، وصيام يوم عرفة (( يكفر السنة الماضية والباقية )) [رواه مسلم]، وصيام يوم عاشورا (( يكفّر السنة الماضية)) [رواه مسلم]، و(( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت عدل عشر رقاب وكُتبت له مائة حسنة ومُحيت عنه مائة سيئة …)) [رواه البخاري ومسلم]، و((إذا قال أحدكم: آمين وقالت الملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه)) متفق عليه. و((ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا همّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه )) [رواه البخاري].

فسبحانك ربي ما أجل عطاياك، وما أسخى يمينك! إلهنا وربنا، وجهك أكرم الوجوه، وعطيتك أفضل العطايا، تُطاع فتشكر، وتُعصى فتغفر، وتكشف الضر، وتشفي السقيم، وتغفر الذنب العظيم، وتقبل التوبة، ولا يجزي بآلائك أحد، ولا يبلغ مدحتك قول قائل، أنت الله لا إله إلا أنت. فاغفر لنا ما قدّمنا وما أخرنا، وما أنت أعلم به منا.

عباد الله التائب من الذنب كمن لا ذنب له، توبوا إلى الله واستغفروه إنه هو التواب الرحيم.

 

الخطبة الأخرى:

اللهم لك الحمد على نعمك العظيمة، وآلائك الجسيمة، ولك الحمد والشكر على نعمك الظاهرة والباطنة التي لا يحصيها غيرك، ما علمنا منها وما لم نعلم، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت حمداً وشكراً لا ينتهي أُوْلاه، ولا يَنْفَد أُخْراه، أشهد ألا إله إلا أنت، أهل الوفاء والحمد، وأشهد أن محمدًا عبدك ورسولك أهل الجود والمجد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الذي يحبكم، ويحب الخير لكم، ويريد لكم النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، واعلموا أن ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ، ولنتذكر أفضال الله علينا، حين علم ضعفنا وقلة حيلتنا، وأنه لا بد للعبد من ذنب، ففتح لنا أبواب المكفرات الكثيرة والسريعة والعظيمة، حتى قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود 114]. بل {… مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 70]، وهكذا تركض الحسنة وراء السيئة فتمحوها، وتحل مكانها؛ حتى يبقى العبد المؤمن طاهرًا مطهرًا، قال صلى الله عليه وسلم: ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها)) [رواه أحمد والحاكم]، المهم أن يعلم الله صدق التوبة بعد الوقوع في الخطيئة، ألم تر كيف عدّد الله صفات عباده المؤمنين الذين يحبهم، ثم ذكر أنهم ربما وقعوا –ببشريتهم- في الفواحش، ولكنهم .. لا لن أتحدث أنا العبد المذنب الضعيف .. بل اسمع إلى عظيم كلام الله تعالى الغني عن خلقه، الرحيم المحب لهم: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ* وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 133-136].

اللهم أنت أحق من ذُكر، وأحق من عُبد، وأنصَر من ابتُغي، وأرأف مَن مَلَكَ، وأجود من سُئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد الذي لا ندّ لك، كل شيء هالك إلا وجهك، لن تُطاع إلا بإذنك، ولن تُعصى إلا بعلمك، يا رب العالمين! أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حُلْت دون النفوس، وأخذت بالنواصي، وكتبت الآثار، ونسخت الآجال، القلوب لك مُفضية، والسر عندك علانية، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، الخلق خلقك، والعباد عبادك، وأنت الله الرءوف الرحيم.

والنصوص التي جعلها الله لنا أنهارًا نغتسل فيها من الذنوب والمعاصي ويكفر الله بها عنا ما ارتكبناه من الذنوب وما اقترفناه من المعاصي أكثر من أن تحصيها خطبة.

فاللهم إنا نرجو رحمتك، ونخاف عذابك. لقد طمعت نفوسنا في هذه الثمرات فسخّرها لقطفها، واشتاقت النفوس لتلك الأجور فمُنّ عليها بها، وتحركت الأرواح لتطير إلى الجنان والحور فاجعلها من أهلها. اللهم -برحمتك بنا- لا تردنا يا ذا الجلال والإكرام! حقّق فيك رجاءنا. فإن رحمتك أوسع من ذنوبنا. ومغفرتك أرجى عندنا من أعمالنا. فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك.

اللهم اغفر لنا، ولوالدينا، ولزوجاتنا، ولأولادنا، وللمسلمين الأحياء منهم والميتين.

اللهم إنا نسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تختم لنا بخير، وأن تجعل عواقب أمورنا إلى خير.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا. وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا. وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير. والموت راحة لنا من كل شر.

اللهم أصلح ولاة أمورنا وولاة أمور المسلمين، ووفّقهم لإصلاح رعاياهم، اللهم اجعلهم هداة مهتدين، اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على النبي الخاتم، والإمام الأعظم سيدنا ونبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 



اترك تعليقاً