الخطبة الأولى/
الحمد لله الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وسرجًا وقمرًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد
فأوصيكم عباد الله بتقوى الله وطاعته، {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)} [الطلاق].
عباد الله، إن الزواج ميثاق غليظ جعله الله سكنًا ومودةً ورحمةً، وركيزةً أساسًا لبناء المجتمعات واستقرارها، والأصل فيه الاستمرار والتماسك، ليكون كل من الزوجين سكنًا للآخر. وقد وصف الله الزواج في الإسلام بأنه (ميثاق غليظ)؛ فجعله عهدًا مقدسًا ورباطًا وثيقًا، يستوجب المودة، والرحمة، وحفظ الحقوق، والتعامل بالمعروف، بل جعله يبدأ في الدنيا، ويستمر إلى الآخرة، قال عز من قائل: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)} [الرعد]. وما أجمل قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: “إنَّهُ لَيُهَوِّنُ عَلَيَّ المَوْتَ أنْ أُرِيتُكِ زَوْجَتِي في الجنةِ” [حسن بمجموع طرقه]. بل تأمل قوله صلى الله عليه لها: “يا عائشةُ كنْتُ لكِ كأبي زَرْعٍ لأمِّ زَرْعٍ إلَّا أنَّ أبا زَرْعٍ طلَّق وأنا لا أُطَلِّقُ” [صحيح]. إنه الأمان الذي تحتاج إليه المرأة، كما تحتاج إلى الهواء، بدونه تختنق وتشقى.
بعد تدبرك في هذه النصوص العظيمة، لك أن تتصور ما يحدث من بعض الرجال والنساء اليوم، الذي يقابلون نعمة الزواج بالاستهتار بعظم قدرها، بدلًا من المحافظة عليها، وشكرِ المنعم بها عليها، أليست غضًا للبصر، وحفظًا للفرج، وسكنًا للنفس، وذريةً تُبقي ذكره، وترفع اسمه، وتَبرُّه في كبره، وأسرةً تؤول إليه؟!
عجيبٌ – والله ـ ما يحدث من بعض الأزواج حين يستهين بعشرة سنوات، وبنين وبنات، فينتقم لنفسه بسبب كلمة مثيرة، أو سلوك طارئ، فيغضب ويرمي قنبلة الطلاق في وجه زوجته، بل في قلوب فلذات كبده، فيجعلهم يعيشون متفرقين بين البيوت، محرومين من سقف يظلل والديهم معًا، وأسرةٍ سوية تربيهم في سكينة وراحة، فيعيشوا بسبب الطلاق في حرب مستمرة، بل قد يُقحمون في مراسلات ومهاترات، فيكرهون من تَسبب في فرقتهم، بل قد يكرهون حتى الزواجَ لتشوه صورتهم في عيونهم.
عباد الله، إن الزوجة أمانة عند الزوج، كما قال صلى اللّٰه عليه وسلم: “ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هنَّ عوانٌ عندكم … ألا إنَّ لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا، فأما حقُّكم على نسائكم فلا يوطئنَ فرُشَكم من تكرهون ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقُّهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن” [حسن].
أيها الإخوة المؤمنون، إن الرجل الرجل ليس هو الذي يقهر زوجته ويهينها، ويصرخ عليها ويضربها بغير حق، بل هو الذي يرحمها ويكرمها، ويصبر عليها، بل من يستمع إليها ويُهديها، أليست مربية ولده، وطاهية طعامه، وموضع شهوته، ومدبرة بيته، ومضيفة أضيافه؟!
إنها إنسانة، لابد أن تخطيء، ولا بد أن تقصر، وليست كاملة، كما أنه هو ليس بكامل، فعليه أن ينظر إلى ما فيها من خصال حسنة، ويغض طرفه عما فيها من نقص أو عيب، قال صلى اللّٰه عليه وسلم: “لا يَفرَكْ مُؤمِنٌ مُؤمِنةً، إن كَرِهَ منها خُلُقًا رَضيَ منها آخَرَ، أو قال: غَيرَه” [رواه مسلم].
أيها الإخوة المؤمنون
وكما ينبغي للزوج أن يحافظ على كيان أسرته، فعلى الزوجة أن تحافظ عليها كذلك، فلا تسمع للمخببات المجرمات، ولا تقارن حياتها مع زوجها بحياة السفيهات والمفتونات والمسرفات، وأحيانًا مع الأخوات والقريبات!! فلكل بيت خصائصه، ولكل رجل طبيعته وقدرته، وكم زلت قدم زوجة في حرمة طلب طلاق نفسها من غير ما بأس، فوقعت في كبيرة من الكبائر، لقوله صلى اللّٰه عليه وسلم: ” أيُما امرأةٍ سألَت زَوجَها الطَّلاقَ في غيرِ ما بأسٍ؛ فحَرامٌ عليها رائِحَةُ الجنَّةِ” [صحيح]، وكم امرأة خالعت زوجها طلبًا لرفاهية زائفة، وحرية بائسة، فكانت سببًا في شقائها، وحرمانها من حياة زوجية عزيزة، فتندم وتكابر، أو تعود وتبحث عن فرصة العودة إلى رجل جرحت كرامته، فلربما عفا وأصلح، ولربما أبى وأصر، فلا تسأل عما يلحق الأولاد من اضطرابات نفسية، ومشاعر قلقة، وربما ضياع وانكسار وفشل.
والمرأة العاقلة تلك التي تحب زوجها، وتحفظ له وده، وتسعى في خدمته وطاعته في المعروف، ولا تحمله ما لا يستطيع من المصروفات والنفقات الزائدة عن الحاجة، بل تكون له عونًا على مصاعب الدنيا، وتجعل بيتها واحة أمنٍ وراحة له ولها ولأولادها، بل وتعينه على أمور الآخرة.
إن الطلاق ليس حلاً في أكثر الحالات التي يوقعه المتعجلون فيها، بل قد يكون نتيجة جهل ونزق وغضب، ولذلك تجد أكثر المطلقين يندمون، ويظلون يبحثون عن فتوى تعيدهم إلى عش الزواج، وقد تكون الفرصة قد فاتت، وعقد الأسرة قد انفرط.
ولو رجعنا إلى حياة حبيبنا صلى الله عليه وسلم مع زوجاته، لوجدناه القدوة والأسوة، فكم مرة اختلف معهن وأصلح، ولو خلا بيت من مشكلة، لخلا بيته الشريف صلى الله عليه وسلم.
فلا بد إذن من الصبر بين الزوجين، وكظم الغيظ، وضبط المشاعر، وصون اللسان، والخروج من البيت إذا وجد الرجل نفسه قد ينفجر غضبًا فيشتت أسرته، كما على الزوجة أن تصمت في غضبه، ولا تلح عليه فيما أغضبه.
إن الشريعة الإسلامية الغراء جعلت الطلاق آخر الخيارات بين الزوجين، وجعلته متدرجًا، وضبطته بأحكام حكيمة، وحثت على سماع النصيحة من المحبين، وأخذ المشورة من أهل الرأي والحكمة في الأسرة، أو من المختصين في الإرشاد الأسري قبل إيقاعه، قال تعالى: {وإنْ خفُتُمْ شقَاق بَيْنهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا منْ أهْلِه وَحَكُمَا من أهلِهَا إن يُرَيدًا إصلاحًا يُوَفَقُ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآي والذكر الحكيم، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الأخرى
الحمد لله الذي جعل لكل ضيق مخرجًا، ولكل شدة فرجًا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله في نسائكم وفي أطفالكم وذرياتكم، ولا تنقضوا غزلكم بعد قوة أنكاثًا، احرصوا على الحوار قبل الدمار، وعلى المصالحة قبل المفارقة، ولا تقدموا على قرار الطلاق قبل أن تعرضوا مشكلتكم على خبراء الإصلاح، وها هي ذي جمعيات التنمية الأسرية ومراكز الإرشاد الأسري قريبة منكم قرب هواتفكم التي في جيوبكم، وتلك نعمة عظيمة حفظ الله بها نحو سبعين إلى تسعين في المئة من الذين كانوا قد عزموا على الطلاق فآثروا البحث عن مخرج فكان بتوفيق الله، {والصلح خير} والله تعالى يقول: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35].
نعم هناك حالات تَنغلق فيها القلوب، وتحضر الأنفس الشح، وتستنفد فيها كافة مساعي الصلح والتأني، فلا يكون أمام الزوجين إلا الطلاق، هناك نتذكر قول ربنا تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)} [النساء].
عباد الله، وللحد من التسرع في الطلاق أورد عددًا من الأمور، لعل الله أن ينفع بها: وأولها تأهيل المقبلين على الزواج ببرنامج تجريبي معتمد، وجدنا أثره العظيم في حفظ الأسر الناشئة، والاتفاق على فترة من الزمن تتوقف فيها المشاجرات، ويؤجل فيها الطلاق، {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا (1)} [الطلاق]. وحصر المشكلات التي تثار بين الفينة والفينة، ومعالجتها عند المختصين، وعدم تأجيلها، والاتفاق على المفاهيم التي يختلفان فيها من خلال سؤال العلماء أو الاطلاع على المصادر الصحيحة الموثوقة، مثل مفهوم القوامة، وأحكام النفقة، والحذر من المستشارين الافتراضيين والمستشارات الذين يعملون بدون ترخيص، ومعالجة الغضب بالجلسات المختصة، فالطلاق – غالبًا – هو نتيجة انفعالات وسلسلة من الأحداث والكلمات قبل أن يصل إلى لفظ الطلاق، وإن حسن إدارة الخلاف هو السبيل لحماية الأسرة من الانهيار، فلا يُتخذ قرار الطلاق في ذروة الغضب أو الانفعال أو بعد مشادة مباشرة، بل يؤجل حتى تهدأ النفس، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾.
ولابد من أن نفرّق بين أزمة المرحلة وفشل الزواج، فليس كل فتور يعني انتهاء الحب، وليس كل خلاف دليلًا على سوء الاختيار، وقد تمر الأسرة بمراحل طبيعية من ضغوط مالية، أو ولادة طفل، أو انتقال سكن، أو تقاعد، أو مرض، والأزمة هي الفرصة التي يُثبت فيها الزوجان صبرهما، ووفاءهما، لا أن تكون فخًا يقع فيها المتعجل، فيفقد فيها جنته وبستانه؛ حتى يقول مع الشاعر الفرزدق:
ندِمتُ نَدامَةَ الكُسَعِيِّ لَمّا غَدَت مِنّي مُطَلَّقَةً نَوارُ
وَكُنتُ كَفاقِئٍ عَينَيهِ عَمدًا فَأَصبَحَ ما يُضيءُ لَهُ النَهارُ
أو تردد المتعجلة في طلب الطلاق مع نورة الحوشان:
يا عين هلي صافي الدمع هليه وإلى قضى صافيه هاتي سريبه
ياعين شوفي زرع خلك وراعيه هذي معاويده وهذي قليبه
إن مرني بالدرب مقدر أحاكيه مصيبة يا كبرها من مصيبة
اللي يبينا عيت النفس تبغيه واللي نبيه عيا البخت لا يجيبه
وإن مما يحفظ البيت الزواجي الشكر والامتنان والتقدير من الطرفين، فهو من أكثر الممارسات التي أثبت علم النفس الإيجابي أثرها في رفع الرضا الزواجي، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
أخي المسلم، قبل الطلاق اسأل نفسك:
هل المشكلة تستحق هذا القرار؟
هل استنفدت وسائل الإصلاح؟
ما الأمور الحسنة التي وجدتها في زوجتي؟
ما الأمور التي قصرت فيها مع زوجتي وصبرت علي؟
ماذا سيحدث لأولادي؟
كيف ستكون النفقة؟ ومع من ستكون الحضانة؟ وكيف سأراهم ومتى وأين؟
ماذا سيحدث للأسرتين؟
وحين تعزم فتذكر قول الله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. فالطلاق شُرع رحمةً للعباد عندما تستحيل العشرة، وإنما المقصود منع الطلاق المتعجل الذي يقع تحت ضغط الغضب أو الانفعال أو تدخل الآخرين أو سوء إدارة الخلاف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: “ولولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق: لكان الدليل يقتضي تحريمه، كما دلَّت عليه الآثار والأصول، ولكن الله تعالى أباحه رحمة منه بعبادة لحاجتهم إليه أحيانًا” انتهى . [مجموع الفتاوى: 32/89 ].
فالأسرة أمانة، والميثاق غليظ، والإصلاح مقدَّم على الهدم، وإذا تعذر الإصلاح كان التسريح بإحسان من محاسن الشريعة.
{… رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)} [الفرقان].
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشِّرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفِّق إمامنا ووليِّ أمرنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده وأعوانهم بتوفيقك، وأيِّدهم بتأييدك، وأعزَّهم بطاعتك، وانصر بهم دينك، وأَعْلِ بهم كلمتك، واجعلهم نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع بهم كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة التي تدلَّهم على الخير وتُعينهم عليه، اللهم وفِّقهم لما تحب وترضى، وخُذْ بنواصيهم للبرِّ والتقوى. اللهم قيِّض لنا أمر رشد، يعز فيه أهل الطاعة، ويُهدى فيه أهل المعصية، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر. ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
———————————-
خطبة أسباب الطلاق – بتاريخ 17 / 1 / 1448هـ