الخطبة الأولى/
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدّر فهدى، وأسبغ علينا نعمه الظاهرة والباطنة، نحمده على نعمه، ونشكره على آلائه، ونستعينه على طاعته، ونعوذ به من معصيته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد، فاتقوا الله عباد الله؛ فإن تقوى الله هي خيرُ زاد، وهي جماعُ الخير كلِّه.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران:200].
أيها المؤمنون
أي تزكيةٍ أعظم من تزكية الرب سبحانه وتعالى لعبد من عباده؟! وأي شهادة أصدق من شهادة علام القلوب لعالم من العلماء العارفين به؟! وقد مدح ـ عز وجل ـ أهلَ العلم وزكاهم لخشيتهم منه تبارك وتعالى، فقال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28]. فالخشية هي ثمرة العلم، ودليل صدقه، وعلامة حياة القلب وسعادته.
فما معنى الخشية؟
الخشية ـ عبادَ الله ـ هي خوفٌ مع تعظيم، ناتجةٌ عن معرفةٍ بالله وبأسمائه وصفاته. فالخوف قد يكون من الجاهل، أمّا الخشيةُ فلا تكون إلا من عالمٍ بالله، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} ومع ذلك لم يخشوه؛ لأنهم لم يعرفوه حق المعرفة.
يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز ـ رحمه الله تعالى ـ: “هذه الآية آية عظيمة، وهي تدل على أن العلماء بالله وبدينه وبكتابه العظيم وسنة رسوله الكريم هم أشدُّ الناسِ خشيةً لله وأكملُهم خوفا منه سبحانه، فالمعنى: إنما يخشى الله الخشية الكاملة هم العلماء بالله، الذين عرفوا ربهم بأسمائه وصفاته وعظيم حقه وتبصروا في شريعته وعرفوا ما عنده من النعيم لمن اتقاه، والعذاب لمن خالفه وعصاه، فهم لكمال علمهم بالله هم أشد الناس خشية لله، وأكمل الناس خوفًا من الله، وعلى رأسهم الرسلُ والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهم أكمل الناس خشية لله سبحانه وتعظيمًا له ثم خلفاؤهم العلماء بالله وبدينه. وهم على مراتب في ذلك متفاوتة، وليس معنى الآية أن غيرهم لا يخشى الله، فكل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة يخشى الله تعالى، لكن خشية الله فيهم متفاوتة، فكلما كان المؤمن أبصرَ بالله وأعلم به وبدينه كان خوفه لله أكثر، وكلما قلَّ العلم وقلت البصيرة قل الخوف من الله وقلت الخشية منه سبحانه. فالناس متفاوتون في هذا الباب تفاوتًا عظيمًا حتى العلماءُ متفاوتون في خشيتهم لله كما تقدم، فكلما زاد العلمُ زادت الخشيةُ لله وكلما نقصَ العلمُ نقصت الخشية لله، ولهذا يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة:7-8]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:13]}، والآيات في هذا المعنى كثيرة وبالله التوفيق”.
عباد الله، وإن العلم الذي لا يُورِثُ خشيةً وبالٌ على صاحبه، قال صلى الله عليه وسلم:
“اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع” [رواه مسلم]، والنفع هنا أن يُورثَ العلمُ عملًا وخشية.
فمن تعلم ليُمدَح، أو ليفتَخر، أو يجادل به العلماء، ويماري به السفهاء، ويزاحم به المجالس، فقد خسر أعظم مقصودٍ من العلم.
والمؤمن بعد هذا يسأل كيف نصل إلى الخشية؟ هذه خمس وسائل لمن وفقه الله تعالى:
أولًا: معرفة الله بأسمائه وصفاته، فمن عرف أن الله سميع بصير، لا تخفى عليه خافية، أورثه ذلك مراقبةً وخشية.
ثانيًا: تدبر القرآن، فالقرآن كتاب الخشية، وفيه تهذيبُ النفوس، وجِلاء القلوب، وطهارة الروح.
ثالثًا: العمل بالعلم، وفي الأثر: “من عمل بما علم، ورّثه الله علم ما لم يعلم”.
رابعًا: الخلوة مع الله، ركعتان في جوف الليل، يتواطأ فيها القلب مع اللسان في التلاوة والترتيل، والتسبيح والتهليل، والدعاء والابتهال، تفتحان أبواب الخشية أكثر من صفحاتٍ كثيرة تُقرأ بلا حضور قلب.
خامسًا: دوام الذكر، فالذكر حياة القلوب، ومن أحياه الله بالذكر أحياه بالخشية.
إذا صدئت منا القلوب بزلةٍ فإن كتاب الله يصقلها صقلًا
عباد الله..
إن الخشية ليست دموعًا تُسكب، ولا كلماتٍ تُقال، بل هي حالٌ تنشأ في القلب، تُثمرُ عملًا في الجوارح، وتعظيمًا لأمر الله، وانكفافًا عن معاصيه.
فاللهم اجعلنا من عبادك العلماء العاملين، واجعل علمنا حجةً لنا لا حجةً علينا، واهدِ قلوبنا، واغفر ذنوبنا، وارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم
الــخُطــبــة الثانية/
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، نحمده سبحانه على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تنجينا يوم اللقاء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، فإن الخشية رأس الحكمة، وأصلُ الصلاح، ومفتاح التقوى.
أيها المسلمون
إن الله تعالى قال في ختام سورة البينة: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}، وفي هذا إشارةٌ إلى أن الخشية رأسُ كل خير، وثمرة كل طاعة.
فلا علم بلا خشية، ولا إيمان بلا خشية، ولا صلاح للقلب بلا خشية.
الخشية هي التي تضبط السلوك، وتقوِّم الأخلاق، وتمنعُ من الظلم، وتربي على الصدق والأمانة.
قال بعض السلف: “كفى بالعلمِ خشيةً لله” ومن خشي الله في خلوته، عصمه الله في جلوته.
وللخشية ثمرات على الفرد والمجتمع: فهي تورث طهارة القلب، وترك المعاصي، فمن خشيَ اللهَ تعالى ترك النظر الحرام، وامتنع عن المال الحرام، وانصرف عن ظلم العباد، ورزق السكينة والطمأنينة
قال سبحانه: { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)} [الرعد].
وتكون سببًا في انتشار الصدق والأمانة؛ لأن الخشية رقيبٌ داخلي يمنع الإنسان من الخيانة وإن خلا بنفسه، وتعين على صلاح الأسرة واستقامة رعاتها وأفرادها، فمن خشي الله في بيته أحسن العشرة، وترك الظلم، وحفظ الحقوق، فتطمئن النفوس وتسعد، وتتماسك الأسرة وتتواصل.
والخشية سبب مباشر في انخفاض الظلم والفساد؛ لأن الخشية تمنع من رشوة، وغش، واعتداء، وتضييع للأمانات؛ فلنربِّ أنفسنا وذوينا على خشية الله تعالى، بتعلم القرآن وتعظيمه، والإكثار من ذكر الله عز وجل، ومن صحبة الأخيار، ومحاسبة النفس، والدعاء بأن يرزقنا الله خشيةً في قلوبنا لا تفارقها وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول: “اللهمَّ اقسِمْ لنا من خَشيتِك ما يحولُ بيننا وبين معاصِيك، ومن طاعتك وما تُبَلِّغُنا به جنَّتَك، ومن اليقينِ ما يُهوِّنُ علينا مُصيباتِ الدُّنيا” [صحيح].
اللهم اجعلنا من الذين إذا ذُكرتَ وجلت قلوبهم، وإذا تُليت عليهم آياتك زادتهم إيمانًا، واجعل لنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشدًا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.
اللهم انصر الإسلام وأهله، واخذل الكفر وأهله، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في الحد الجنوبي وفي كل مكان. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، واحفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وبارك لنا في دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا،
اللهم وفق ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده وأعوانهم لما تحبه وترضاه، وارزقهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الخير وتدلهم عليه، إنك جواد كريم.
اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، أرسل السماء علينا مدرارا، وارزقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم غيثًا مُغيثًا، هنيئًا مريئًا، نافعًا غير ضار.
ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين.