فضل شهر الله المحرم

الخطبة الأولى:

الحمدُ للهِ مكورِ الليلِ على النهار، ومكورِ النهارِ على الليل، وأشهدُ ألا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُ الله ورسوله، وصفيه من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا أما بعد

فيا عبادَ الله أوصيكم ونفسي المقصرةَ بتقوى الله وطاعته، يقول الله جل في علاه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70- 71].

عباد الله، إن من حكمة الله تعالى في خلقه أن فضَّل الأزمانَ والشهورَ بعضَها على بعض، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:68]، ومن حكمته تعالى أن اختصَّ بعضَها بمزيد حرمة وعناية فجعل بعضها أشدَّ حرمة من غيره، فمن ذلك الأشهرُ الحرم فقد حذر الله عباده وجعل تعظيم شعائره تعالى من تقوى القلوب فقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:32]، كما جعل تعظيم حرمات الله خيرًا للعباد عند ربهم. كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:30].

وعلينا أن نغتنم هذه المواسم والنفحات من الرحيم الرحمن جل جلاله، وشهر الله المحرم هو أحد الأشهر الحرم التي قال الله عز وجل فيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:36].

ويتبين فضل هذا الشهر أيضًا بإضافته إلى الله عز وجل فيقال: (شهر الله المحرم) وهذه إضافة تشريف وتفضيل، كمثل: بيت الله وناقة الله.

قال الحافظُ ابنُ رجب ـ رحمه الله ـ: «وقد اختلفَ العلماءُ في أيِّ الأشهرِ الحُرُمِ أفضل؟ فقال الحسنُ وغيرُه: أفضلُها شهرُ اللهِ المحرم، ورجَّحه طائفةٌ من المتأخرين، وروى وهبُ بنُ جريرٍ عن قرةَ بنِ خالد عن الحسن، قال: إن اللهَ افتتحَ السنةَ بشهرٍ حرام وختمها بشهرٍ حرام، فليس شهرٌ في السنة بعد شهر رمضان أعظمُ عندَ الله من المحرم، وكان يسمى شهرَ الله الأصم من شدة تحريمه”.

ومما يدل على فضله أن صيامَه أفضلُ الصيام بعد رمضان؛ فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضلُ الصيام بعد رمضان شهرُ الله المحرم، وأفضلُ الصلاة بعد الفريضة صلاةُ الليل» رواه مسلم.

ومن فضل هذا الشهر أن فيه يومَ عاشوراءَ الذي حصلَ فيه نصرٌ مبينٌ لأهلِ الإيمانِ وأظهرَ اللهُ فيه الحقَّ على الباطل؛ حيث نجّى فيه موسى عليه السلام وقومَه، وأغرق فرعونَ وقومه.

جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَدِم المدينةَ فوجدَ اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا اليومُ الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يومٌ عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغَرَّقَ فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومُه، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «فنحنُ أحقُّ وأولى بموسى منكم» فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه، متفق عليه.

قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: «ما رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يتحرى صيامَ يومٍ فَضَّله على غيره إلا هذا اليومَ يومَ عاشوراء، وهذا الشهرَ يعني شهرَ رمضانَ» رواه البخاري.

وفي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم عرفة فقال: «يكفِّرُ السنةَ الماضيةَ والباقية»، وسُئلَ عن صومِ يومِ عاشوراء فقال: «يُكَفِّرُ السنةَ الماضيةَ».

قال الإمامُ النووي: وهو الأصحُّ المختارُ أنه يكفرُ كُلَّ الذنوبِ الصَّغائر، وتقديرُه يغفر ذنوبَه كُلَّها إلا الكبائر، قال القاضي عياض ـ رحمه الله ـ: «هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دونَ الكبائرِ هو مذهبُ أهل السنة، وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى» ا.ه

عباد الله توبوا إلى الله واستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الأخرى:

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد فاتقوا الله عباد الله:

في الصحيحين عن الرُّبيّع بنتِ مُعوِّذ بنِ عفراءَ رضي الله عنها قالت: أرسلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم غداةَ عاشوراءَ إلى قرى الأنصار التي حولَ المدينةِ: «من كانَ أصبحَ صائمًا فليُتِمَّ صومَهُ، ومن كانَ أصبحَ مُفطرًا فَلْيُتِمَّ بقيةَ يومِه» فكنَّا بعد ذلكَ نصومُه ونصوِّمُ صِبيانَنَا الصِّغارَ، ونذهبُ إلى المسجدِ فنجعلَ لهم اللُّعبةَ من العِهْن، فإذا بكى أحدُهم على الطعام أعطيناها إيَّاهُ حتى يكونَ عند الإفطار. [متفق عليه].

ويستحبُّ للمرءِ أن يصومَ اليومَ التاسعَ (تاسوعاء) مع العاشرِ (عاشوراء) لما ثبت في صحيح مسلم من حديث عبدِ اللهِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: حينَ صامَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ يومَ عاشوراءَ وأمرَ بصيامِه قالوا: يا رسولَ الله، إنهُ يومٌ تعظمُه اليهودُ والنَّصارى، فقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «فإذا كانَ العامُ الـمُقبلُ إن شاءَ اللهُ صُمنَا اليومَ التاسعَ». قال: فلم يأتِ العامُ المقبلُ حتى تُوفِّيَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم. [رواه مسلم].

قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون: يستحب صومُ التاسعِ والعاشرِ جميعًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صامَ العاشر، ونوى صيامَ التاسع.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزة الدين، وانصر عبادك الموحدين، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في ثغورنا وسائر ثغور المسلمين على أعدائهم وفي كل مكان، اللهم أيدهم بجند من جندك، اللهم انصر بهم دينك، وبلادك، يا ناصر المؤمنين، ويا معز الطائعين، ويا هازم المجرمين.

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لإصلاح رعاياهم، اللهم أيد إمامنا خادم الحرمين الشريفين ووليَّ عهدِه وأعوانَهم بالحق وأيِّدِ الحقَّ بهم، واجعلهم ذخرًا للإسلام والمسلمين.

اللهم فُكَّ أسرَ المأسورين، واقضِ الدَّينَ عن المدينين، واهدِ ضَالَّ المسلمين، اللهم بارك لنا فيما أعطيتنا، وأغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، وأغننا برحمتك يا حي يا قيوم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين واجعلنا من أهل جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطاهرين، وصحبه أجمعين، وعنا معهم برحمتك وفضلك ومنك يا أكرم الأكرمين.