أخلاقيات الطبيب المسلم – 2

أخلاقيات الطبيب المسلم

(2)

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } [التوبة: 119].

مرة أخرى أعود إليكم – معشر الأطباء – لاستكمال الحديث الخاص بكم، والذي يعني كل إنسان من حولكم.

معاشر الأطباء الكرام: وظيفة الرسل كانت هي الدعوة إلى الله تعالى، وهي وظيفة المفلحين من العباد، ألم يقل الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].

وإن الكلمة من الطبيب مقبولة حبيبة إلى نفس المريض، فهو قد أتى إليك وهو حساس من كل ما يصدر عنك تجاهه، فلكل همهمة منك معنًى عنده، ولكل نظرة أو بسمة أو تمعر في الوجه أثر بالغ في نفسه، ولكل كلمة تنبس بها شفتاك خصوصية في الأخذ والتطبيق، فيا ليت كل طبيب مسلم يجعل له نصيبًا من الدعوة إلى الله ولو بكلمات قليلة يهمس بها في أُذن مريضه.

تقول إحدى المريضات: مازال صدى تلك الكلمات القليلة التي همست بها طبيبة في أذني يرن إلى الآن.. وذلك يوم أن ذهبت إليها قبل خمس سنوات تقريبًا أنشدها علاجًا لصداع لازمني خلال مدة الاختبارات؛ حينها نظرت إليّ نظرة عتاب، وقالت بأسلوبها الرصين المؤثر: أتألمين لهذا الاختبار؟! فما بالكِ بالاختبار الأعظم يوم القيامة؟! يوم نقف جميعنا أمام الله بذنوبنا في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إن الاختبار في ذلك اليوم هو الذي يجب أن نألم له ونعد له العدة لا هذه الدنيا.

فيا ليت كل طبيب يهمس في أذن مريضه بمثل ذلك، لاسيما حين يعلم أن مريضه مسلم ولا يصلي، أو يرى منه عقوقًا لوالديه، أو تذمرًا من قدر الله وقلة صبر واحتمال، أو نحو ذلك.

بل ليته يكون سفير دينه في اللقاءات الطبية العالمية التي يحضرها، فتلك واحة من الدعوة إلى الله، مع عقول كبيرة تقدّر الإيمان – إذا عرفته – حق قدره.. هذا طبيب استشاري أطفال يعمل في إحدى مستشفياتنا اسمه عبد الله، أنموذج من النماذج المشرقة التي جمعت بين التخصص العلمي وبين استشعار مسئولية الدعوة إلى الله عز وجل، سافر إلى أمريكا لحضور مؤتمر طبي؛ يقول: قبل أن يبدأ المؤتمر حرصت على أن أجد طبيبًا عربيًا لأجلس بجانبه ليشد من أزري، وفعلاً وجدت طبيبًا ملامحه عربية، فجلست بجواره، ففوجئت به يقول لي: اذهب بسرعة وبدل هذه الملابس (لا تفشلنا أمام الأجانب!!). فقلت في نفسي: ربما لو جلست بجوار أجنبي كافر لما قال هذا الكلام! ثم بدأ المؤتمر، وبعد سويعات، جاء وقت صلاة الظهر، فقمت لأصلي، وأعلنت الأذان بصوت مسموع؛ ولكنه خافت.. ثم إني قضيت فرضي وعدت بعدها إلى مكاني، وبعد ساعة، دخل وقت صلاة العصر، فقمت؛ لأصلي، ثم شعرت بشخص يقف بجانبي في الصلاة، ولما قضيت الصلاة، التفتُّ إلى المأموم فإذا به الطبيب العربي الذي كان ينتقدني في ملابسي..! ولكني رأيت في عينيه احمرارًا، وقد امتلأت عيناه بالدموع، فسلمت عليه، فقال لي بصوت متحشرج: جزاك الله خيرًا، لقد قدمتُ إلى أمريكا منذ أربعين سنة، وتزوجت أمريكية، وأحمل الجنسية الأمريكية، وأموري المالية والمعيشية على أحسن حال، ولكني – والله – لم أسجد لله سجدة واحدة خلال هذه الأربعين سنة..! ولما رأيتك تصلي الصلاة الأولى تحركت في نفسي أشياء كثيرة، وتذكرت الإسلام الذي نسيته منذ أن قدمت إلى هذه البلاد.. تذكرت الله وعبادته.. تذكرت الوقوف بين يدي الجبار في ذلك اليوم العصيب.. وقلت في نفسي: إذا قام هذا الشاب ليصلي مرة ثانية فسوف أصلي معه.. وما إن كبرتُ معك للصلاة حتى تملكني القرب إلى الله والخوف منه.

يقول الدكتور عبد الله: ثم نشأت علاقة قوية بيني وبين هذا الطبيب، واستطعت من خلال الذهاب والمجيء معه التعرف على كثير من الأمور في أمريكا في فترة قصيرة، وكنت أتمنى أن أتحدث عن الإسلام وأقوم بواجب الدعوة إلى الله في ذلك المؤتمر، ولكن الفرصة كانت غير مناسبة؛ لأن كل طبيب وطبيبة مشغول بالمؤتمر، والاستفادة من البحوث والتوصيات من الأطباء والطبيبات.

وفي اليوم الأخير للمؤتمر كان هناك حفل ختامي يتخلله عدة فقرات، وفوجئت بأن إحدى الفقرات عبارة عن طلب من اللجنة المنظمة للحفل أن يتكلم الدكتور (عبد الله) لمدة خمس دقائق عن أمرين: الأول: ما سبب إصرار الدكتور عبد الله على التزامه بالملابس العربية التي يلبسها؟ حيث جاءت أسئلة كثيرة من الأطباء والطبيبات في هذا الجانب؟ والثاني: أن يتحدث عن تطور بلاده، فقال لهم: بالنسبة للملابس فكما أن لكم تقاليد وعادات تتمسكون بها فهذه الملابس من عاداتنا وتقاليدنا فنحن نتمسك بها، وأما عن تطور بلادي فالحمد لله هناك نهضة حضارية وتطور ملموس.

يقول الدكتور عبد الله: وكنت أرغب في الحديث عن الإسلام، ولكنهم حددوا الوقت بخمس دقائق، وطلبوا الحديث عن الملابس وعن تطور البلد، ووفقني الله لفكرة خطرت لي أثناء الحديث بأن أضع أمامهم علامة استفهام.. فقلت لهم: إننا اجتمعنا للبحث الطبي عن سائل بداخل الجسم في مؤتمر يكلف كذا مليون دولار، ولكن هذا الإنسان بأكمله ما الحكمة من وجوده في هذه الدنيا؟! يقول: ثم انتهت الخمس دقائق، وأردت أن أرجع إلى مكاني، فلاحظ المخرج الذي يصور الحفل عن طريق الفيديو أن الأطباء والطبيبات مشدودون مع السؤال الذي طرحته، فأشار لي بيده أن أستمر لمدة خمس دقائق إضافية، وهنا وجدت الفرصة لأتحدث عن الإسلام.. وبمجرد أن بدأ الحديث عن الإسلام.. وقفت طبيبة غربية وقالت تسمح يا دكتور بسؤال؟ لماذا تزوج رسولكم إحدى عشرة امرأة، إن هذا يدل على شهوانية؟! فأجبت الطبيبة بسؤالين؛ الأول: أخبريني يا دكتورة.. الذي يتزوج عن شهوة هل يأخذ بكرًا أم ثيبًا؟ فأجمعوا أنه يأخذ بكرًا. فقلت لهم: أول امرأة تزوجها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (وهي خديجة بنت خويلد رضي الله عنها) كانت ثيبًا، وكان عمرها أربعين سنة، ولم يكن له سوى بكر واحدة هي عائشة . وقلت لهم في السؤال الثاني: كم سنُّ ثَوَرَان الشهوة؟ فقالوا: تقريبًا من سن ستة عشر عامًا إلى سن الأربعين، وهو سن اكتمال الرجولة والنضج العقلي، فقلت لهم: إن رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم لم يتزوج باقي نسائه بعد خديجة إلا بعد الأربعين سنة بسنين، فالمسألة إذن تشريع وحكمة وليست شهوة..

فقالت هذه الطبيبة: إذا سلمنا لك بالنسبة لرسولكم فلماذا تتزوجون أنتم بأربع نساء، إن هذا تحقير للمرأة؟ فقلت لها: إن المجتمع الغربي اليوم يتزوج الرجل بواحدة فقط، لكن قد يعاشر بعضهم – بالحرام – عددًا من النساء من الصديقات والخليلات، والإحصاءات المعاصرة في الغرب تثبت أن عدد النساء أكثر من عدد الرجال.. وهذه المعاشرة من ذلك الرجل يجعل من النساء مكانًا للاستفراغ فقط.. ثم بعد قضاء الوطر لا قيمة لهن عنده، فأي تحقير أعظم للمرأة أعظم من ذلك.. ؟! أما ديننا فيلزمنا أن نعاملهم كلهن بالمعروف، ونؤدي حقهن بالعدل، {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]، وأن تكون بضعة من الرجل، وهي بيته ومسكنه، وملبسه، وهو ميثاق غليظ تجد فيه المرأة فيه كرامتها، وتحقق منه أنوثتها.. فأيهما – يا معاشر الأطباء والطبيبات – أعظم وأكرم..؟! فعجزت الطبيبة عن الرد المقنع وأُلقمت حجرًا.. وبعد ذلك بدقائق أعلنت أربعة طبيبات غربيات عن رغبتهن في الدخول في الإسلام.. فيا للروعة! والله أكبر والعزة للإسلام.

معاشر الإخوة الأطباء إن الدكتور عبد الله ليس إلا واحدًا من النماذج الرائعة التي تكتظ بها مستشفياتنا، ولله الحمد والمنة.. وهو أنموذج للمسلم الذي يعتز بهويته ودينه.. ولو أنه خضع للغرب وانبهر به كما انصهر فيه كثير من مثقفينا وللأسف لما كان حتى لحديثه عن الإسلام، ورده للشبهات أثر على ذلك المجمع الطبي الكبير.

لقد تأثروا باعتزازه بذاته ودينه قبل أن يتأثروا بكلامه.. وها بين يديك أيها الطبيب الحبيب عدد من الأطباء والطبيبات والممرضين والممرضات من ممل شتى فهلا كان لك أجر إيمان واحد منهم؟ بل لديك فرصة لتوصلهم إلى من يعلمهم شأن دينهم بعد إسلامهم، ويتابع معهم، وهم دعاة مكتب دعوة الجاليات في الأحساء، الذين لا يزالون يحققون نجاحاتهم الكبيرة في إدخال أكثر من إنسان في دين الله كل يوم بفضل الله تعالى. تعاون معهم؛ فهو خير لك من مثل الأرض مالاً وذهبًا. قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآي والذكر الحكيم، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الأخرى:

الحمد لله ذي الفضل والمنة، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله عليه وعلى صحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله ولتكن – أيها المسلم – وأنت أيها الطبيب خاصة – قدوة أمام الناس في نفسك وأهلك ومن تعول، معتزًّا بدينك أينما رحلت، فإن الناس يتأثرون بالسلوك أكثر من الكلام، وكثيرًا ما انتقد الناس أطباء يدخنون وهم يتحدثون عن أضرار الدخان، أو يحذورن الناس من بعض الأطعمة والأشربة وهم نَهِمون في تناولها، فكيف إذا كنت ذا مظهر إسلامي، ووجدوا في سلوكك مخالفات شرعية وأنت تمارس مهنتك، إن الناس يرقبون ذلك وقد يتقاعسون عن نصحك هيبة لك، فاجعل من نفسك رقيبًا عليك، وإليك هذه الحادثة التي تدل دلالة كبرى على أهمية القدوة، والتمسك بأهداب الإسلام وتأثير ذلك الكبير على الناس.

هذه امرأة سعودية ذهبت بصحبة زوجها إلى أحد المؤتمرات الطبية في أحد المدن الأوربية، ذهبت وهي تعلم أن ربها في السعودية هو ربها في أوربا، وهي تعلم أن الرجال هنا وهناك، التزمت بدينها وبتعاليم دينها، وانعكس هذا على لباسها، فكان الحجاب الكامل. ليس كما يفعل بعض الناس – هداهم الله – يخلعون غيرتهم مع لباسهم حين يسافرون، فيأمرون نساءهم بخلع الحجاب، لقد نزلت المرأة في تلك المدينة بالحجاب الكامل حتى إنه لا يُرَى -منها- شيء. كانت تنتقل مع زوجها بين أروقة المؤتمر وهي سواد لا يُعرف ما بداخلها، وكانت الأعين تتفحصها وتود أن تعلم ما هذا؟ حجاب كامل وسط أوروبا؟! شيء لم يألفوه.

واجتمعت عليها كثير من النساء الأوربيات وهن بروفسورات قد بلغن من العمر عتيًّا، وقلن لها: “إنك ما لبست هذا الحجاب الكامل وإلا وفيكِ عيب أو وجهك مشوه”، وهذه هي فكرتهم عن الحجاب أنه يخفي القبح داخله. فأخذتهن جانبًا وكشفت عن وجهها فإذا هي امرأة تامة الخلق يمتلئ وجهها بنور الإيمان إن شاء الله. ثم تحدثت إليهن وشرحت لهن وضع المرأة في الإسلام وعظمة المرأة المسلمة، وأن الحجاب يصونها ويحميها من نظرات السوء، وعواقب الرذيلة، وتحدثت عن الإسلام عمومًا، وبعد حوالي ثلث ساعة أعلنت سبع برفسورات منهن الإسلام! لقد دخلن في الإسلام والسبب هذه المرأة السعودية المسلمة المحافظة على دينها وحجابها.

إن هذه المرأة لم تتنكر لدينها ولم ترمِ الحجاب وتذب داخل هذه المجتمعات وتصبح رخيصة ذليلة بعد أن أعزها الإسلام.. وأنت – أخي الطبيب – مثلها، فكن ذلك الطبيب الداعية، الذي يشعر – حين يدخل مشفاه – أنه يدخل محراب عبادة ودعوة، يرجو الله واليوم الآخر {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].

اللهم وفقنا لأحسن الأعمال لا يوفق إليها إلا أنت، ونعوذ بك من سيئها، فإنه لا يبعدنا عنها إلا أنت، اللهم أنت الرحيم فارحمنا، وأنت الحليم فاحلم علينا، وأنت التواب فتب علينا، أنت المقدم وأنت المؤخر، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير.

اللهم يا عزيز يا حكيم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر إخواننا المجاهدين، وارفع البأس والظلم والجوع عن إخواننا المستضعفين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لإصلاح رعاياهم، اللهم أيدهم بالحق وأيد الحق بهم، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك حربًا على أعدائك.

اللهم فك أسرى المسلمين، واقض الدين عن المدينين، واهد ضالهم، وهيئ لأمة الإسلام أمرًا رشدًا يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم بارك لنا فيما أعطيتنا، وأغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، وأغننا برحمتك يا حي يا قيوم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين واجعلنا من أهل جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطاهرين، وصحبه أجمعين، وعنا معهم برحمتك وفضلك ومنك يا أكرم الأكرمين.



اترك تعليقاً