جريمة اللواط 2

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له من دون الله وليًّا ولا نصيرًا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد عباد الله00 أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله وطاعته، استجابة لقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29].

أيها الإخوة المسلمون:

ولا يزال الحديث متصلاً حول تلك الجريمة النكراء التي طالما سكت المجتمع عن الخوض فيها؛ خوفًا من نشر ذكرها، فإذا بها تطل بكل قبح من خلال إحصاءات مثبتة، تدل على انتشارها بعيدًا عن رقابة الوالدين، ورقابة المجتمع.

قال القرطبي في تفسيره: «وأجمع العلماء على تحريم اللواط، وإن الله تعالى عاقب قوم لوط وعذبهم لأنهم كانوا على معاص وذنوب، ومنه الفعلة المشينة والعملة القبيحة ألا وهي اللواط، فأخذهم الله بذلك، ولأنه كان منهم الفاعل والراضي بذلك، فعوقب الجميع لسكوت الجماهير عليه، وهي حكمة الله وسنته في خلقه، وبقي أمر العقوبة على الفاعلين مستمرًّا».

إن الفطرة السليمة هي التي تبقى على العفاف والاستعفاف بما أباح الله تعالى لتصريف هذه الطاقة الجسدية المندفعة؛ قال الله تعالى: { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } [المؤمنون: 5- 7 ].

قال الشنقيطي رحمه الله في تفسيره: «ذكر جل وعلا أن من صفات المؤمنين المفلحين الذين يرثون الفردوس ويخلدون فيها: حفظهم لفروجهم، من اللواط والزنا ونحو ذلك، وبيّن أن من لم يحفظ فرجه عن الحرام بل تعدى حدود الله فهو ظالم لنفسه ومهلكها وموبقها وموقعها في شديد عذاب الله تعالى» انتهى.

جلس زياد مولى ابن عياش رضي الله عنهما إلى بعض إخوانه، فقال له: يا عبد الله، فقال له قل ما تشاء، قال: ما هي إلا الجنة أو النار؟ قلت: نعم، قال: وما بينهما منزل ينزله العباد؟ قلت لا والله، فقال والله إن نفسي لنفس أضنّ بها على النار، والصبر اليوم عن معاصي الله خير من الصبر على الأغلال».

أيها الإخوة المؤمنون:

ذنوب الخلوات هي بداية الانتكاسات؛ فقد روى ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لأعلمن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباءً منـثورًا، قال ثوبان: يا رسول الله ! صفهم لنا، جلّهم لنا؛ لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها» رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

وا عجبًا كانوا يقومون الليل! ويعملون من أعمال الخير ما تعجز عن حمله الجبال! ولكنهم لم يمـتـثلوا أمر الله عز وجل ولا أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، فإذا أغلقوا عليهم أبوابهم وسترهم ارتكبوا محارم الله من زنا ولواطٍ وغير ذلك.

عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: «ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران فيها أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعند رأس الصراط داع يقول: استقيموا على الصراط ولا تعوجوا، وفوق ذلك داع يدعو كلما هَمّ عبد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويلك ! لا تـفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، ثم فسره فأخبر أن الصراط هو الإسلام، وأن الأبواب المفتحة محارم الله، وأن الستور المرخاة حدود الله، والداعي على رأس الصراط هو القرآن، والداعي من فوقه هو واعظ الله في قلب كل مؤمن» صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

أيها الإخوة: إن محاربة الفواحش مسؤولية كل إنسان بمفرده، وليست مسؤولية واحد بعينه، ولا جهة بعينها، وحين تترك حتى تشيع هناك يقع من الجبار عز وجل ما ليس في حساب إنسان، نسأل الله تعالى العافية. عن بريده رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «.. ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت» والحديث رواه الحاكم وهو حديث صحيح لغيره.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ولم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يلعنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا»، رواه ابن ماجه وغيره وهو حديث صحيح.

ولذلك خاف النبي الكريم المحب لأمته صلى الله عليه وسلم على أمته فقال: «إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط» والحديث صحيح رواه الترمذي وابن ماجه.

قال ابن عباس: «إن الرجل ليأتي الرجل فتضج الأرض من تحتها والسماء من فوقها، والبيت والسقف، كلهم يقولون: أي رب! ائذن لنا أن ينطبق بعضنا على بعض، فنجعلهم نكالاً ومعتبرًا، فيقول الله عز وجل: إنه وسعهم حلمي ولن يفوتوني». قال الله تعالى: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ } [غافر: 18]، وقال تعالى: { وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ } [الحج: 71].

قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [هود: 102] والحديث متفق عليه.

ألا فليتفكر كل من سوّلت له نفسه الأمارة بالسوء في سوء فعلته، وكيف لو أن الله قد كتب عليه الشقاء ثم جاءه ملك الموت وهو على تلك الصورة البشعة وتلك الفعلة القذرة، فما المخرج؟ ومن المنجي من عذاب الله؟

إن من مات على شيء بُعث عليه، فمن مات وهو ملبٍّ لله تعالى بحج أو عمرة يبعث من قبره مسرورًا فرحًا مفتخرًا بتلبيته لله عز وجل، فيخرج من قبره وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ومن مات وهو يعمل عمل قوم لوط والعياذ بالله فيقول ابن عباس: من خرج من الدنيا على حال خرج من قبره على تلك الحال، حتى إن اللوطي يخرج يعلق ذكره على دبر صاحبه مفتضحين على رؤوس الخلائق يوم القيامة. فأية فضيحة وأي خزي وأي عار سيواجهه اللوطيون يوم القيامة؟

فما أشدها من فضيحة؟! وما أفظعها من نتيجة؟! وما أسوأها من خاتمة؟ وما أعظمه من خزي؟ وما أقبحه من عار؟!

لقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً، أو امرأة في دبرها» والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع برقم 7801.

أعوذ بالله من انتكاس الفطرة، وسوء الطوية، وخاتمة السوء.

عباد الله إن الله تواب رحيم، فاستغفروا الله يغفر لكم.

الخطبة الأخرى:

اللهم لك الحمد على حبك لعبادك، ولك الشكر على إنعامك على أوليائك، وأشهد ألا إله إلا أنت، أنت وليي في الدنيا والآخرة، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واتقوا الشبهات، ومقاربة الفواحش؛ تأسيًّا بالسلف الصالح، الذين كانوا يجافون الفساد، ويخافون من بوادره، حتى جاء رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله ومعه صبي حسن فقال: الإمام: ما هذا منك؟ قال ابن أختي، قال: «لا تجئ به إلينا مرة أخرى، ولا تمش معه في طريق لئلا يظن بك من لا يعرفك ولا يعرفه سوءًا» انتهى.

ولم يفعل الإمام أحمد كل هذه الاحترازات من هذا الفعل الشنيع وهو من هو في جلالة القدر والمكانة، إنه يصور حال جيله من الأبرار، قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله في الزواجر: «وأجمعت الأمة على أن من فعل بمملوكه فعل قوم لوط من اللوطية المجرمين الفاسقين الملعونين فعليه لعنة الله، ثم عليه لعنة الله، ثم عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فعليهم أشد اللعنة الدائمة الظاهرة وأعظم الخزي والبوار والعذاب في الدنيا والآخرة ماداموا على هذه القبائح الشنيعة البشعة الفظيعة الموجبة للفقر وهلاك الأموال وانمحاق البركات والخيانة في المعاملات والأمانات، ولذلك تجد أكثرهم قد افتقر من سوء ما جناه وقبيح معاملته لمن أنعم عليه وأعطاه ولم يرجع إلى بارئه وخالقه وموجده ورازقه، بل بارزه بهذه المبارزة المبينة على خلع جلباب الحياء والمروءة والتخلي عن سائر صفات أهل الشهامة والفتوة والتحلي بصفات البهائم، بل بأقبح وأفظع صفة وخلة، إذ لا تجد حيوانًا ذكرًا ينكح مثله، فناهيك برذيلة تعففت عنها الحمير. فكيف يليق فعلها بمن هو في صورة رئيس أو كبير، كلا بل هو أسفل من قذرة وأشأم من خبرة، وأنتن من الجيف، وأحق بالشرور والسرف، وأخو الخزي والمهانة، فبعدًا له وسحقًا وهلاكًا في جهنم وحرقًا» انتهى.

بل قال النخعي: لو كان أحد ينبغي أن يُرجَم مرتين لكان ينبغي للوطي أن يرجم مرتين. وقال الفضيل بن عياض: لو أن لوطيًّا اغتسل بكل قطرة من الماء لقي الله غير طاهر. وقال عبدالله بن عمرو يحشر اللوطيون يوم القيامة في صورة القردة والخنازير.

وقال بعض العلماء: إذا علا الذكرُ الذكرَ هربت الملائكة، وعجّت ـ صاحت ـ الأرض إلى ربها، ونزل سخط الجبار جل جلاله عليهم، وغشيتهم اللعنة، وحفت بهم الشياطين، واستأذنت الأرض ربها أن تخسف بهم، وثقل العرش على حملته، وكبّرت الملائكة، واستعرت الجحيم، فإذا جاءته رسل الله لقبض روحه نقلوها إلى ديار إخوانهم، وموضع عذابهم، فكانت روحه بين أرواحهم، وذلك أضيق مكانًا وأعظم عذابًا من تنور الزناة، فلا كانت لذة توجب هذا العذاب الأليم، وتسوق صاحبها إلى مرافقة أصحاب الجحيم.

أيها الإخوة: تذهب اللذات، وتعقب الحسرات، وتفنى الشهوة، وتبقى الشقوة. فالأمر خطير والخطب جسيم، والفاحشة شنيعة والجرم قبيح،والفعل مشين،والعمل مذموم.

نسأل الله تعالى أن يحفظنا ويحفظ ذرياتنا وأبناء مجتمعات المسلمين من شره الوبيل.

اللهم يا عزيز يا حكيم أعز الإسلام والمسلمين وانصر إخواننا المجاهدين وارفع البأس والظلم والجوع عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لإصلاح رعاياهم، اللهم أيدهم بالحق وأيد الحق بهم، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك حربًا على أعدائك.

اللهم بارك لنا فيما أعطيتنا، وأغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، وأغننا برحمتك يا حي يا قيوم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين واجعلنا من أهل جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 



اترك تعليقاً