أثر التربية في نجاح الأولاد

الخطبة الأولى: 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأبرار.

عباد الله أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله وطاعته، استجابة لأمر الله جل وعلا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

أما بعد: فيا معاشر الإخوة المؤمنين: أرأيتم بقعة من أديم الأرض أُهملت فأنبتت الشوك والسعدان، وصارت قفرًا بورًا لا تُنبت زرعًا ولا تُمسك ماء؟ وأخرى تعهدها زارعٌ ماهرٌ بالإصلاح والحرث، فإذا هي جنة يانعة تنبت من كل زوج بهيج، ذلك مثل الأفراد والأمم إذا أهملها رجال التربية ولم يعنوا بوسائل إصلاحها ورقيها، وهذا مَثَلُها إذا قاموا عليها بالرعاية، وساروا بها إلى غاية،.. فالتربية الصحيحة تهيئ الفرد للحياة الكريمة، وتصل بجسمه وروحه إلى الكمال الإنساني، وترشده إلى حقوقه وواجباته، وهي لهذا أكبر مؤثر في حياة الأمم، وعليها يتوقف مستقبلها، وعنها تنتج عظمتها وسقوطها.. في الكون كل وسائل السعادة للبشر أودعها الله فيه يوم أبدعه، ولا ينقص الناس إلا أن يتعرفوا هذه الوسائل، ويهتدوا إلى الطريق الموصل إلى استثمارها على وجهها ليحيوا حياة طيبة في الدنيا والآخرة.

وهنا يحسن التذكير بأن التربية أمرٌ يشمل كل المؤثرات في حياة الشخص، وأن التعليم وسيلة من وسائل التربية فقط، يقول أحد علماء الاجتماع: «وجدت بالاستقراء الدقيق أن معظم أسباب العلل الإنسانية الجسمية والنفسية يرجع إلى نقص في التربية، فآثرت أن أستأصل الداء من جذوره باستئصال سببه الأول، على أن أقضي الوقت في علاج ما ينجم عن هذا السبب، والوقاية خير من العلاج، ولا أشك أني بذلك أقوم بخدمة أعظم للإنسانية بقدر ما بين طبّ الأمم وطب الأفراد». وقديمًا قال الإمام الغزالي رحمه الله: «وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملاً، وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية بالغذاء، فكذلك النفس تُخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم، والصبي مهما أهمل في ابتداء نشوئه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذابًا حسودًا سروقًا نمامًا لحوحًا ذا فضول وضحك وكياد ومجانة، وإنما يُحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب».

ومن ذلك أيها السادة ترون أن التبعة الملقاة على عاتق أولياء الأمور والمربين عظيمة؛ إذ إن بيدهم تشكيل نفسية الأمة، ورسم حياتها المستقبلة، بإذن الله وتوفيقه.

ولا شك بأن غاية التربية الإسلامية: تعبيد الخلق للخالق، وغرس حب الرب عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم في نفوس الناشئة، وحب دينهم العظيم والتمسك بآدابه والغيرة عليه.

وبما أن هذا الدين يأمر بالعناية بالشئون الدنيوية، ويحث على السبق والنبوغ فيها، مع عدم إغفال أمر الآخرة على حد قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77], وعلى حد قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97].

يقول جرير يمدح عمر بن عبد العزيز رحمه الله وأرضاه:

فلا هو في الدنيا مُضيِّع نصيبه    ولا عَرَض الدنيا عن الدين شاغله

فغاية التربية الإسلامية تحبيب الإسلام إلى النفوس والعمل به، وتهيئة السبيل للنجاح في الحياة، والدفاع عن المصلحة الدينية والدنيوية، وتنمية الشعور بالغيرة على الدين وأهله ووطنه.

أيها الإخوة.. وأول ما يرى الطفل من الوجود منزله وذويه، فترتسم في ذهنه أول صور الحياة مما يراه من حالهم، وطرق معيشتهم، فتتشكل نفسه القابلة لكل شيء، المنفعلة بكل أثر بشكل هذه البيئة، يقول الإمام الغزالي: «الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يُمال به إليه، فإن عُوِّد الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة أبواه وكل معلم له ومؤدب، وإن عُوِّد الشر وأُهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيّم عليه والوالي له». ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولودٍ يُولد عليه الفطرة، وإنما أبواه يهوّدانه أو يمجسّانه أو ينصّرانه»، وإلى هذا أشار أبو العلاء في قوله:

وينشأ ناشئ الفتيـان منـا    على ما كان عوّده أبوه

وما دان الفتى بحجى  ولكن     يعودّه التديـن أقربوه

وإذا كان للمنزل كل هذا الأثر في حياة الطفل وجب -تحقيقًا للغاية السالفة الذكر- أن يُحاط بكل ما يغرس في نفسه روح الدين والفضيلة، والأم تأتي أولاً، فهي المحضن التربوي الأول لطفلها الذي يتشكل في حُضنها بما تقول وبما تصنع.

والأم إذا صلحت فانتظر من ابنها أن يكون رجلاً بكل معنى كلمة الرجولة وأنت إذا استقرأت تاريخ العظماء وجدت أن السر في عظمة الكثيرين منهم ما بثته فيه الأم من المبادئ الصالحة القويمة بحكم اللبان والتلقين.. وما كان علي بن أبى طالب -رضي الله عنه- في حبه للحق وغيرته عليه ومناصرته للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا معاوية في حلمه ودهائه، ولا عبد الله بن الزبير في شجاعة نفسه، ولا الزبير نفسه في ذلك إلا سرًّا من أسرار فاطمة بنت أسد، وصفية بنت عبد المطلب، وأسماء بنت أبي بكر، وهند بنت عتبة، وما رباهم عليه هذا الدين العظيم فيما بعدُ.

وحري بمن يسمع في مهده، لأول عهده بالحياة، ترنيمة أمه:

ثكلت نفسي وثكلت بكري     إن لم يسد فهرًا وغير فِهْـر

بالحسب العـدّ وبذل الوفر      حتى يوارى في ضريح  القبر

أن يكون سيدًا تتفجر الحكمة من جنبيه، وتنطوي السيادة في برديه، كما كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بتأثير أمه أم الفضل بنت الحارث الهلالية.

وحري بمن يطرق سمعه لأول مرة تلك الأغاني الخليعة والترنيمات الغثة التي يداعب بها بعض أمهات هذا العصر أبناءهن أن ينشأ ماجنًا خليعًا فاتر الهمة ضعيف النفس.

الأم أستاذ العالم والمرأة التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بشمالها، فلأجل أن نصلح المنزل يجب أن نصلح الأم التي هي روحه وقوامه، وأن تنشأ هي على طاعة الله وطلب رضوانه وخشيته وتقواه.

توبوا إلى الله واستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الأخرى:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على عظيم فضله وامتنانه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله.

وإنها لأمانة عظمى يجب أن يقوم بها الأبوان، بأن يكونا خير قدوة لابنهما في احترام شعائر الدين، والمسارعة إلى أداء فرائضه، وبخاصة أمام الأولاد، بل وأن يقصوا عليه من نبأ الصالحين وقصص المتقين، وأعظمهم قدوتهم محمد صلى الله عليه وسلم، كتب عمر بن عتبة لمؤدب ولده: «ليكن أول إصلاحك لولدي: إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت».

كما على الوالدين أن يضع كل منهما نصب عينيه أن يشبع أبناءه بروح الدين، والشعور الإسلامي في كل الفرص المناسبة، يتحدث إليهم عن عظمته ورجاله وأسراره، ويصطحبهم إلى المساجد والمنتديات الدينية، ويُشعرهم بالمخافة من الله تعالى وهيبته ومراقبته في السر والعلن، واستخلاص العبر من الحوادث، وأن يُعنَى بتحفيظهم شيئًا من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا الزمن لا يكفي أن نعطي فقط، بل لا بد من أن نتيقظ إلى ما لا ينبغي أن يأخذوه كذلك، فعلى الوالدين الكريمين أن يحولا دون تسرب المجون والخلاعة، والأخلاق السيئة، والمناظر المجرمة إلى أولادهم؛ وذلك بمنع دخول الفضائيات المفسدة، وفتح المواقع الرديئة، لا بالقوة والهيمنة، ولكن بتذكيرهم برقابة المولى جل وعلا، وصرفهم إلى فضائيات طيبة، ومواقع هادفة، وكتب نافعة شيقة، وتشجيع مواهبهم وميولهم.

أيها الإخوة.. ولعل من الأفضل وجود مكتبة في المنزل، مهما كانت يسيرة، تختار من كتب التاريخ الإسلامي، وتراجم السلف، وكتب الأخلاق والحِكَم والرحلات الإسلامية والفتوح والروايات الإسلامية الموجهة، ونحوها.. ولئن كانت صيدلية المنزل ضرورية لدواء الأجسام، فالمكتبة الإسلامية في المنزل ضرورية لإصلاح العقول.

وما أجمل أن أذكر هنا قول سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه: «إننا لنروّي أبناءنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نروّيهم السورة من القرآن».

ويجب كذلك، أن نرشد الناشئ إلى مصاحبة الأخيار ونبيّن له فضيلة ذلك ونزعه، ونحول بينه وبين مخالطة الأشرار مع شرح ما يستهدف له من الخطر إذا صاحبهم وعرف بصداقتهم، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن: «مثل الجليس الصالح مثل العطار، إن لم يُحبِك من عطره يعبق بك من ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل القين إن لم يحرق ثيابك يعبق بك من دخانه» والحديث أخرجه الطبراني وحسنه الهيثمي.

وقد أرشد ربنا سبحانه إلى ذلك في قوله تعالى:  {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الكهف:28].

وللأندية الطيبة والمراكز الشبابية المختصة عظيم الأثر في نفس الناشئ، فيجب أن يُعرّف منها بكل ما يرشد إلى خُلق ديني, ويُبعد عن كل ما يضم مفاسد الدين والخُلق؛ كالمسارح الهازلة والمراقص الخليعة والمقاهي الموبوءة.

ولا شك أن التربية تعني أن نقرب الناشئ إلى كل مؤثرات الفضيلة، ونبعده عن كل مؤثرات الرذيلة، وأن ندعو الله تعالى أن يصلحه ويهديه وينفع به أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

اللهم يا عزيز يا حكيم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر إخواننا المجاهدين، وارفع البأس والظلم والجوع عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لإصلاح رعاياهم، اللهم أيدهم بالحق وأيد الحق بهم، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك حربًا على أعدائك، واجعل بلادنا آمنة مطمئنة وسائر بلاد المسلمين.

اللهم فرّج عن إخواننا المسلمين في كل مكان. اللهم احقن دماءهم، وصن أعراضهم، واجعل ولايتهم فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، وانشر الأمن والرخاء في بلادهم، وسائر بلاد المسلمين.

اللهم فك أسر المأسورين، واقض الدين عن المدينين، واهد ضالّ المسلمين، اللهم بارك لنا فيما أعطيتنا، وأغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، وأغننا برحمتك يا حي يا قيوم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، واجعلنا من أهل جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطاهرين، وصحبه أجمعين، وعنا معهم برحمتك وفضلك ومنّك يا أكرم الأكرمين.



اترك تعليقاً